صباح يوم السبت الواقع في 23 ايلول 2006 ، ومع اصرار الزعامتين الجنبلاطية والارسلانية بأن يتنافسوا على مشيخة العقل ويتبارزوا في اليوم التالي كل على طريقته، ومع اصرار الطرف الاول على انتخاب مجلس مذهبي تمهيدا لتسمية شيخ عقل عملا بالقانون المزعوم والحاح الطرف الآخر على تعيين شيخ عقل بطريقة قبائلية مزرية للمقام الرفيع بهدف ضمان حصته من مشيخة العقل والاوقاف، متجاهلين نداءات سماحة الشيخ بهجت غيث المتكررة للطرف الاول لتأجيل العمل بالقانون وللطرف الآخر لعدم التسرع في تعيين شيخ عقل غير شرعي بهذه الطريقة الانفعالية، وعوضا الاجتماع والاتفاق على قانون عصري ولو على حساب استمرارية الشيخ غيث في موقعه، تشارك في صياغته مشيخة العقل وجميع المشايخ الاجلاء وابناء الطائفة المثقفين والمهنيين ومسؤوليها بدون استثناء، وتفادياً للفتنة ولانتقال النزاع على الحصص بين الفريقين الى مراحل سياسية متطورة يصبح مسرحها دار الطائفة الدرزية واداتها مشيخة العقل، قرر سماحة الشيخ بهجت غيث عدم المشاركة في هذا الفصل المؤسف من النزاع وعدم الانصياع او التحيز لأي طرف تحت اي شعار او ضمن اي تسوية تأتي على حساب وحدة ومصلحة الطائفة وكرامتها وعزتها محملا مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع الى السلطة التشريعية التي انحازت منذ البدء لفريق ضد الآخر وشرعت هذا القانون المرفوض والى الطرفين المتنازعين. لذلك، وبعد التدقيق في الموقف السليم الذي يعبر عن قدسية موقع مشيخة العقل - هذه الامانة التي استلمها بتكليف من المرحوم سماحة الشيخ محمد ابو شقرا لخمسة عشرة عاماً واصبح حملها ثقيل على سماحته ليتحمله بمفرده خصوصا في غيبوبة من الاكثرية من ابناء الطائفة عما يجري -  قرر سماحته تعليق جميع مهامه في المشيخة ونشاطاته الاعلامية والزمنية والروحية وعدم تلقي المراجعات وتوقيع المعاملات رافضا عروضاً لأن يستمر في موقعه ضمن معادلة ثلاثة مشايخ عقل وهو الذي كان دائما مع مبدأ توحيد مشيخة العقل، وقد اصدر سماحته بيانا يوضح فيه تداعيات هذا القرار تم تعمييه (اي البيان) على كافة وسائل الاعلام ننشره في هذه الصفحة.

مع الأسف، كل شيء في هذا البلد اصبح ضحية التجاذب السياسي الحاد بين زعماء الطوائف، وهذا الطوفان من الفوضى امتد ليشمل كل شيء حتى مشيخة العقل المقام الروحي الاقدس لدى طائفة الموحدين الدروز، لأن النظرة السياسية لا تتورع بتهديم واحتقار المقدسات تلبية لمصالحها واغراضها الخاصة. لذلك ان الزعامات السياسية تنظر للمشيخة وكأنها وظيفة من حق هذا الزعيم او ذاك مداورة او مشادة حسب الوضع الذي تفرضه المصالح المشتركة او التجاذبات والتحالفات السياسية. وهذا اصبح جلياً عبر الممارسة الفعلية على الارض سواء عن طريق  التعيين التقليدي عبر تلبيس العباءة الارسلانية المتوارثة او التزكية بالقانون المفصل على قياس الزعامة التي انتجته.

بموجب هذا التعيين القبائلي او ذاك الانتخاب الصوري، فإن مقام مشيخة العقل قد تم تفريغه من مضمونه وعلى مرأى ومسمع من الاكثرية الصامتة من ابناء الطائفة ومشايخها. وهذا نوع من الارتداد ليس فقط على مضمون الميثاق الذي اوجد مشيخة العقل قبل ان يوجد الاقطاع كامتداد لاعلى مقام روحي للموحدين منذ زمن الكشف بل على القانون والدستور الذي ينظم شؤون الطوائف ويحمي حقوقها ومقدساتها. وان ثبت شيئا من كل هذا هو ان اعتراف الاقطاع السياسي بالمقدسات الروحية للطوائف وبادنى حقوقها القانونية هو اعتراف شكلي ترسمه المصالح الخاصة ويسقط عند اول منعطف تتعارض فيه المصلحة مع القانون. فبتنا نعيش في ظل شريعة الغاب والحكم فيها للاقوى، فهنيئا لِمَن هو اقوى بحكم هكذا معايير. وهنا يأتي الى الذهن قول للحكيم سقراط (قرية الدهر) عندما حكمت اثينا عليه بشرب السم بعد رفضه الاعتذار: "نحن لنموت وانتم لتحيوا فمَن منا سيذهب الى مصير افضل؟"

ولم يُعرَف اذا كانت اثينا هي التي حكمت على سقراط او سقراط هو الذي حكم على اثينا، فسقراط شرِب السم ساخرا ومَن هو سقراط امام كِبَر وعظمة محكمة اثينا؟، لكن للسماء منطق عجيب، اذ بعد سقراط لم تعد اثينا اثينا وهوت عدالة التاريخ واصبح مقسوما الى ما قبل وما بعد سقراط.

ان مشيخة العقل ليست وظيفة، وان كانت الزعامات قد نجحت في انتزاع المفاهيم المادية للمقام لن تستطيع انتزاع المفهوم الروحي، فهو كالمحفة التي ظن الجميع انهم يحملونها فبقيت تسير بعد ان تركوها. فالامانة المعنوية في عهدتنا عهد علينا قطعناه منذ ليلة الرحيل من الازل.

بيان صادر عن مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز:

بسم الله الرحمن الرحيم،

في ظل الظروف الصعبة التي تعصف بالبلاد والازمات المتصاعدة نتيجة الصراع السياسي المحتدم على كل الاصعدة وفي ظل تحكم الاقطاع السياسي بمرافق الدولة وتعطيل مؤسساتها القضائية العليا بإلغائها او تسخيرها لمصالح اصحاب النفوذ وهذا ينسحب على مجمل حالة الشعب اللبناني الرازح تحت كابوس المحنة والفتنة والاخطار المحدقة والبركان الذي يتهيأ للانفجار، وقد وصلت الزعامات السياسية في صراعها على النفوذ لنقطة الاحتكاك ضمن الطائفة وبين اهل البيت الواحد وكلا الجهتين تخوضان معركة اثبات الذات باسم تنظيم شؤون الطائفة وانتخاب او تعيين مشيخة عقل. وقد نبهنا مراراً وتكراراً من خطورة انحياز بعض كبار المسؤولين وتدخل المؤسسات التشريعية في مقدسات الطوائف وطرحها في البازار السياسي خلافا للدستور لتمرير قوانين مفصلة على قياس بعض الزعامات لارضائها، وقد حذرنا من تمرير هذا القانون الفتنة وما سينتج عنه من مضاعفات واضعاف للطائفة والوطن دون جدوى، ووجهنا نداءات عدة لكافة ابناء الطائفة مقيمين ومغتربين وخصوصا للمسؤولين منهم ليجتمعوا ولو لمرة واحدة على قانون عصري بالتوافق من قِبَل جميع المعنيين ليحفظ مصالح وكرامة الجميع. الا ان الامور سارت بمنحى تصعيدي والى مزيد من الفوضى بدل التهدئة والمعاندة والخصام بدل الاتفاق على ما فيه مصلحة وكرامة الجميع. لذلك، وبعد مراجعة المواقف والنظر الدقيق في الموقف السليم اللائق بصدقية هذا المقام رمز كرامة الطائفة وهويتها التوحيدية الحقيقية حيث لا تزال تحاك المكائد وتدبر القوانين وتنصب الافخاخ ويتهيأ الحاقدون للانقضاض على مشيخة العقل في غفلة من الجم الغفير من ابناء الطائفة الغيورين على مصالحها وكرامتها، وبعد الجهود المضنية التي بذلناها على مدى خمسة عشر عاما من الصمود والتضحية المادية والمعنوية للمحافظة على قدسية مشيخة العقل وخطها الوطني الصادق وعلى اوقاف الطائفة ومزاراتها وحمايتها من افواه المتطفلين، وبعد كل المعاناة والمرارة من المتسلطين المتربصين شرا بهذا الموقع ويشنون باستمرار حروب الالغاء والتهميش ومحاولة الاذلال لهذا المقام دون ردة الفعل المناسبة والرادعة من الاكثرية الصامتة التي شجعت المعتدين على التمادي بعدوانهم لانه لا يصنع الطغاة الا العبيد، وبعد اصرار ومعاندة المتخاصمين على استنساخ مشيخة عقل لكل منهما فارغة من اي معنوية او كرامة لائقة بهذا المقام الرفيع سواء بالانتخاب الصوَري بموجب القانون المزعوم او بالتعيين القبائلي المزري، ورغبة صادقة منا في المحافظة على وحدة الطائفة وانقاذها من شر الفتنة والمؤامرات، وبراءة لذمتنا من نتائج مغامرات الرؤوس الحامية، ووفاءا للامانة ولجوهر عقيدتنا بصدق اللسان وحفظ الاخوان، قررنا عدم المشاركة في هذا الفصل المؤسف من المأساة المستمرة والصراع المدمر لكرامة الطائفة وسمعتها، ولاننا لم نتعود الرضوخ والركوع الا لعزته تعالى ولا نرضى للموحدين الشرفاء والمشايخ الاجلاء الاوفياء الا مواقف العز والكرامة اللائقة بهم وبمبادئهم الشريفة، قررنا ايضا تعليق جميع مهام المشيخة وعدم تلقي المراجعات وتوقيع المعاملات حتى اشعار آخر.

والسلام على مَن اتّبع الحق وتكلم وعمل بلغة الصدق.

 

بيروت في 23 ايلول 2006                            شيخ عقل الموحدين الدروز

                                                                سماحة الشيخ بهجت غيث


لمعرفة المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع تابع اقوال الصحافة

صفحة مشيخة العقل الرئيسية

البريد الالكتروني: metaphysics@idm.net.lb