
لأنه لا يجوز إعادة إقرار أحكام رفضها المجلس الدستوري
قانون الطائفة الدرزية يحمل أسباب إبطاله
احمد زين – السفير 8 / 5 / 2006
قد تتحول لاحقاً جلسة المجلس النيابي المنعقدة يوم الأربعاء الماضي إلى جلسة تاريخية، نظراً لكثرة ما سيعود إليها العاملون في المجال الدستوري والمواكبون لممارسات النظام من قبل الأكثريات النيابية. ومن شبه المؤكد أن التركيز سيكون حول الدور الذي لعبته الأكثرية النيابية الحالية في حكاية المجلس الدستوري من بدايتها إلى النهاية، والتعامل النيابي مع رد القانون المتعلق بتنظيم شؤون طائفة الموحدين الدروز.
وما يطرح حول هذا القانون الأخير المتعلق بتنظيم شؤون الطائفة، ليس ما يتضمنه أحكام قد تحد من يؤيدها ومن يعارضها كأي قانون آخر، إنما جاء في هذا القانون فصلان أساسيان كيفية انتخاب شيخ العقل وانتهاء ولايته، ودوره والصلاحيات المناطة به، إضافة إلى أحكام أخرى متعددة تتعلق بإدارة أوقاف الطائفة الدرزية. وكان المجلس النيابي قد أصدر قانونين حول تلك الأحكام والفصول، الأول صدر في 25 تشرين الأول سنة 1999، والثاني في 26 أيار سنة 2000. إلا أن المجلس الدستوري عمد إلى وقف نفاذهما في قراره حول مراجعتي طعن بالقانونين، كان قد تقدم بهما شيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث.
ويبدو من قراءة أسباب وقف نفاذ القانونين التي إستند إليها المجلس الدستوري في قراريه انها متوافرة في بعض أحكام القانون الجديد الذي اقره المجلس النيابي اخيراً، والمتعلق بتنظيم شؤون الطائفة. وهذا ما يفسح في المجال، وبالاحرى يتطلب بالضرورة، طرح جملة تساؤلات حول "تنازع الصلاحيات" بين المجلس النيابي والمجلس الدستوري، ودور الاكثرية النيابية في هذه المسألة.
فقرارات المجلس الدستوري استناداً لقانون إنشائه "تتمتع بقوة القضية المحكمة، وهي ملزمة لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والإدارية". ويؤكد قانون النظام الداخلي للمجلس ذلك أيضاً ينصه على أن "قرارات المجلس الدستوري مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية" وقد أخذ مجلس شورى الدولة بمثل هذا الالزام الوارد في النصين السابقين في قراره الشهير الرقم 71/2001 المتعلق بدعوى الدولة على السفير الياس غصن، والصادر عن غرفة وزير التربية الحالي الدكتور خالد قباني، وجاء فيه بعد الاشارة إلى النصين السابقين الملزمين "وبما أن قرارات المجلس الدستوري هي ملزمة للقضاء كما للسلطات العامة، وهذا يعني أن إبطال المجلس لنص تشريعي (المجلس الدستوري) لا يؤدي فقط إلى بطلان هذا النص. بل ينسحب على كل نص مماثل أو قاعدة قانونية مشابهة للقاعدة التي قضى بإبطالها، سواء أكانت متزامنة مع قرار المجلس أو سابقة له وذلك لتعارضها مع أحكام الدستور أو مع مبدأ عام يتمتع بالقيمة الدستورية.
من هنا يتبين أن مناقشة قانون تنظيم شؤون الطائفة الدرزية، أو أي قانون أخر كان قد ابطله المجلس الدستوري كليا أم جزئيا، يبدأ أولا من مناقشة مدى اخذ احكام هذا القانون يتجنب الاسباب التي أدت إلى ابطاله. فالمجلس النيابي وأي اكثرية فيه لا تملك حق التشريع الذي لا يكون متطابقاً مع أحكام المجلس الدستوري، لأنه في مثل هذه الحالة تكون الأكثرية النيابية، قد استهانت بقرارات هذا المجلس، وحولت التزاميتها إلى التزام يمكن أن تقدم عليه، ويمكن أن لا تأخذ به، والحرية والديموقراطية هنا غير واردتين حتى في طرحهما كخيار فقط.
قد يرى البعض أن تناول هذه المسألة لمناسبة إعادة إقرار قانون تنظيم شؤون الطائفة ليس مبرراً، كونه يستند إلى افتراض أن أحكام القانون الجديد تتضمن ما يعتبر تجاوزاً لما نصت عليه قرارات المجلس الدستوري السابقة من أحكام وقواعد، والحقيقة أن مثل هذا الاعتماد صحيح من حيث المبدأ، إلا أن مناقشته في ضوء الاحكام الصادرة عن المجلس الدستوري وأحكام القانون الجديد ليست مستحبة، نظراً لحساسية الموضوع والأبعاد التي ظهرت قبل إعادة إقراره وبعدها. ولكن تجنب مثل هذه المناقشة لا يلغي ضرورة مناقشة الآلية التي سلكها هذا القانون، بصرف النظر عما يتضمنه من أحكام تتعلق بفريق محدد من اللبنانيين، وماذا تعني هذه الآلية، وكيف يمكن تجنبها، وفي هذا الاطار تمكن الاشارة إلى جملة تساؤلات منها:
أ- أن طرح ومناقشة أي قانون كان قد أبطله المجلس الدستوري كلياً أو جزئياً، لا يمكن أن يسلكا الآلية الصحيحة إلا عبر مناقشة مدى اخذ هذا القانون بأسباب الابطال. فإذا كان المجلس النيابي سيد نفسه إلا أن هذه السيادة لا يمكن أن تخترق الزامية قرارات المجلس الدستوري.
ب- إن الاحكام التي يصدرها المجلس الدستوري ليست ملزمة للمؤسسات الدستورية والمراجع كلها، وغير ملزمة للمجلس الذي أصدرها. ولهذا فإن المجلس الدستوري ملزم حكماً بأن يأخذ المبادرة من دون أي مراجعة طعن تجاه أي قانون يصدره مجلس النواب، ويكون مخالفاً كلياً أو جزئياً للقرارات التي صدرت عنه.
وما يمكن التوقف عنده في هذا المجال، الإشارة إلى أن المجلس الدستوري كان في مرة سابقة على الأقل قد "غض النظر" عن قوانين جاءت مخالفة بشكل صريح وواضح لقرار سابق قد صدر عنه. ففي قراره الرقم 2/96 المتعلق بمراجعة الطعن بقانون الانتخابات النيابية، اعتبر المجلس الدستوري "أن نص المادة الخامسة من القانون المذكور ينطوي على تمديد اضافي لولاية مجلس النواب القادم، ويخل بالقاعدة العامة والعرف البرلماني، ولا يبرره الاستثناء الوارد فيه". إلا أن قانون الانتخابات الذي جرت على أساسه انتخابات سنة 2000، قد خرق تلك القاعدة التي أخذ بها المجلس الدستوري في قراره يجعله ولاية المجلس الذي سيصار إلى الانتخاب على أساسه أكثر من أربع سنوات.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو التالي: ما هي قيمة قرارات المجلس الدستوري عندما يصر مجلس النواب على أحكام في قانون أو قانون كان قد قضى المجلس بوقف نفاذه؟ فأي اجتهاد يمكن الأخذ به ليصبح اصرار المجلس النيابي على القانون الذي ابطله المجلس الدستوري، سبيلاً لأن يصبح نافذاً ومعطلاً لقرارات هذا المجلس، كما في حالة اصرار المجلس النيابي على القانون الذي يرده رئيس الجمهورية من دون الأخذ بأسباب الرد.
أما التساؤل الثاني الذي يمكن طرحه في هذا المجال فهو سياسي بامتياز، إذ أن الاسباب الموجبة لقانون تعديل قانون المجلس الدستوري استندت إلى سد الثغرات التي ظهرت في ممارسة هذا المجلس وضرورة تحديث عمل المجلس. فهل تعتبر حالات إصرار المجلس النيابي على قانون كان المجلس الدستوري قد اوقف نفاذه، واحدة من الثغرات الاساسية التي ظهرت أثناء عمل المجلس الدستوري حتى الآن أم لا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تفطن "عملية التحديث" لسد مثل هذه الثغرة الفاقعة؟ أليس في تجاهلها جزءاً من الأهداف التي توختها الأكثرية النيابية من محطتها الأخيرة لتعاطيها مع المجلس الدستوري؟ ألا يفترض القول هنا أن الانقلاب على "قانون رستم غزالة" إلا يكون على هذا الشكل وفي مثل هذه الممارسة؟