نـفــــــــــــــس واحدة في أجســــــــــاد متفرقة

أخي العزيز، أنت كالطير الذي طال مكوثه في قفصه، فحين أُطلق منه وجد صعوبة في استعمال أجنحته. انفض غبار الجهل عن أجنحتك وحلّق نحو قمة قلبك لترى أخوتك يحلّقون معك في سماء المحبة

كأخ أنت في النور، عليك أن تفهم أكثر من ذي قبل أن تجاربك هي ليست من أجلك وحدك، أو من أجل عائلتك وحسب، أو من أجل بلادك أو ثقافتك فقط بل لأجل خلاص النفس الآدمية.

لعل الضمانة المادية ضرورية، ولعل التجارة مهمة، ولعل الكرامة الوطنية مجد، لكن يجب أن تعي أن خلاص النفس الآدمية هو أعظم ما يمكن أن تحقّقه وفي هذا العالم وإلا كانت دماء الأنبياء هدراً وتضحياتهم عبثاً- وهذا ما يسعى إليه أبناء النور في أعماقهم حقاً.

إن الحاجة الأكثر إلحاحاً للإنسانية على هذه الأرض في يومنا هذا هي السلام الداخلي. ومع ذلك، فإن مفهوم هكذا سلام يبقى المعنى الأكثر إبهاماً وتبقى النفس الإنسانية، تلك الأمانة الإلهية، في عرضة دائمة للانتهاكات، وتبقى في غربة عن موطنها. فأين أحباب الإنسانية؟ أين هم هؤلاء الذين يعرفون عن النفس الآدمية ما يجعلهم يعرفون سر السلام الحقيقي تحقيقه؟

إن الأكثرية من البشرية في العالم اليوم، في محاولتهم البحث عن بعض مبادئ السلام، يتعاملون مع الصراعات الظاهرة: شعب ضد شعب، وأمة ضد أمة، وعرق ضد عرق. لكن مَن هم الذين يفلحون في التعامل مع الصراعات الداخلية التي تشهدها النفس: الفكرة ضد الفكرة، والشعور ضد الشعور وهلم جرّاً؟

يا أخي في النور، تيقن أنك وأخوتك مرايا لصورة واحدة، وأشعاعات منبثقة من شمس واحدة، نعم لعل أبناء النور ينفصلون في الزمان والمكان لكنهم يتّحدون في الأزلية: نفس واحدة في أجساد متفرّقة.

وكل منهم يحمل في شخصه ويمثل في أفكاره وأعماله دوراً في قصة آدم، وكل واحد منهم يتمثّل في بريق عينيه مشهداً من جنة عدن (تجربة البيت العتيق التي سبقت رحلة الزمان والمكان والإمكان) الجنة التي انطلق منها ابناء النور ليلة الرحيل من الأزل. فإذا عانى أحدهم على بعد أميال فكل أخوة النور يعانون، وذلك وفقاً لنظام روحي ما وراء قدرتهم على الإدراك الحالي.

يا أخي في النور، إلى متى ُتعيش في الألم والمعاناة تبحث عن نهاية للعالم غريبة عنك دون أن تدري أن القصة هي قصتك وأنك أنت سيد بدايتها ونهايتها؟ يا أخي في النور، إلى متى تنتظر محبة الملائكة وتتجاهل تلك المحبة التي بوسعك مشاركتها مع أخوتك على الأرض؟ أفلستم أنتم الملائكة المقرّبون؟ أخي العزيز، كيف يكون لآدم بداية أو نهاية مجرّدة من المحبة الآدمية؟ كيف يكون لآدم قصة وما لم تكن محبوكة بالأفكار والأعمال الآدمية؟ وأي عمل آدمي يرقى ويعظم على محبة الإنسان لأخيه في النور؟

أخي العزيز، أنت كالطير الذي طال مكوثه في قفصه، فحين أُطلق منه وجد صعوبة في استعمال أجنحته. انفض غبار الجهل عن أجنحتك وحلّق نحو قمة قلبك لترى أخوتك يحلّقون معك في سماء المحبة، وإذا سمحت لأحدهم بالهبوط فإنك لا محال ستهبط معه أيضاً.

إن أسمى قوانين كياننا تتطلّب منا بناء شخصيتنا على صخرة من المحبة الدائمة في التعامُل مع بعضنا البعض، فالمحبة هي الحكمة وبالمحبة نصبح مواطنين في جمهورية أفلاطون - جمهورية النفس العظيمة: "فكما في السماء كذلك على الأرض".

عودة إلى الصفحة الرئيسية