علامة الاستقرار: العطاء مع عَدَم الانتظار

الكل يتكلم عن "نهاية العالم"، والكل ينتظر حلول الكوارث والمعجزات. لماذا لا نتكلم إذاً عن مسؤوليتنا تجاه أنفسنا ونحن نعيش لحظات الزمن الذي تنبأ به الرسل والأنبياء؟

كل منا قد مر بتجربة العناية بشيء يهمه ولو حتى لمرة واحدة في حياته. قد يكون هذا الشيء بذره أو غرسه زرعها أحدنا وربما بحث عن التربة والحرارة المناسبتين لها وأمَّن لها الماء وانتظر بفارغ الصبر ليجني نتيجة تعبه. كم منا يعتني بنفسه كما يعتني المزارع بغرسته؟ كم منا يختار أفكاره ويدرس مشاعره ويكون على نفسه بنفسه رقيباً؟ إني أتوجه بأسئلتي هذه الى الإنسانية جمعاء وبالأخص إلى »أولئك« الذين يظنون أنهم "المختارون بين الناس" ويدّعون المعرفة الإلهية ويمارسون سلطة السياسية المقنّعة بالدين بنبرات الشر المبطّن بالحنان. إلى أولئك خصوصاً أوجه أسئلتي. أتستطيعون التنكر والتنصل من واقع التربة الجافة المتشققة التي تنمو عليها نفوس أبنائكم؟ منكم مَن يعتبر نفسه معنياً بشروق فجر عالم  جديد مبني على العدل والحق والسلام ومنكم من يدعي أنه من حماة الحق ومن ممارسي فضيلته وحكمته. أدعوكم إذاً لكي تتأملوا وتتفكروا قبل نقلتكم إلى عالم جديد على يد المخلّص المنتظر:

ماذا تقدّمون للعالم كما هو اليوم؟

كيف تنتظرون من الله  أن يؤمن لكم نقلتكم إلى سماء جديدة وأرض جديدة؟!

وما الذي يجعلكم تظنون أن الله سيأتمنكم على سماء جديدة وأرض جديدة  وأنتم تقصّرون وتعجزون عن فهم الحكمة من وراء وجودكم في هذه الأرض التي ترجّ تحت أقدامكم والسماء الملوّثة بدخانكم؟!

ألَم يوضَح لكم في التوراة والإنجيل والقرآن والزبور أن الإنسان يقطف ثمرة أفكاره ونواياه وأفعاله؟ أليس هذا هو قانونالله الحق؟

ألم يوضَح لكم في فلسفة اليونان وحكمة الهند أن كل ما يظهر في عالمكم  من خير وشر هو انعكاس لما يبطن في أعماق أنفسكم؟ ألم تسمعوا أصوات أنبياء ورُسُل بذلوا أنفسهم ليوضحوا لأفهام الخلق أن أفكار الإنسان وأفعاله تحّدد مصيره في  كل لحظة هنا على الأرض وليس في عالم آخر أو سماء غير منظورة؟

أليس هذا هو قانون الله الحق الذي ستواجهونه يوماً؟

فإذا أراد الفرد منكم معرفة ما إذا كان من »أهل الخير« وما إذا كان الله يحبه ما عليه سوى النظر إلى نفسه في المرآة والتساؤل عن مدى فرحته وسعادته بما يرى. إذا لم يعجبه ما يراه اليوم والآن فلا يتوقع أن يعجبه ما سيراه غداً. لا تتوقعوا معجزات أنتم عاجزون عن فهمها. تتكلمون عن »آخر الأوقات« وعن »الجنة والنار« وكأنكم مستعدون لمواجهة قانون »الثواب والعقاب«. كم منكم يواجه نفسه بصدق ولو لمرة واحدة في اليوم؟ إذا لم تستطيعوا مواجهة أنفسكم ومحاسبتها على كل فكرة سيئة تراودها فلا تظنوا أنكم ستستطيعون مواجهة قانون الله. تتكلمون عن عودة الأنبياء وتلحنون لهم الأناشيد، كيف تضمنون أنكم ستتعرفون عليهم إذا ما ظهروا؟ وبأي لغة ستكلمونهم؟ 

في كتاب الـ »بها غاد غيتا« (الكتاب المقدس لدى الهندوس) يروى عن ملك أراد إهانة ملك دولة أخرى بإجبار زوجة الأخير على التعرّي أمام جمع غفير من الناس. فتضرعت الزوجة إلى كريشنا لمساعدتها واستجاب كريشنا لها وانتشلها من هذا الموقف. ولكنه لم يكتف بذلك؛ لأن قانون الله لا يمكن تجاهله. فقد تنبأ كريشنا بانحلال الحضارة الهندية لأن »الطبيعة الأم« لا تستطيع تحمل هكذا إهانة.

كم منكم اليوم »إخوان« مستعد لمواجهة »قانون الطبيعة«؟ كم منكم يراعي أخيه ويحرص على عدم إهانته؟

تعيشون الكوارث والمحن وتقِفون مكتوفي الأيدي ريثما تتصوّرون الخلاص بأبواب سببها آياس من الرحمة، ولا تعلمون أن لا ينال المرء ما ليس بوسعه أن يتصوّره.

لأن هذا هو القانون الذي علّمه عظماء كفيثاغوراس وقانون الله يقضي بألا ينال الإنسان إلا ما ينتظر. وهكذا قال السيد المسيح لتلاميذه عندما سألوه كيف يجب أن يطلبوا ليستجاب طلبهم، فقال لهم: إقرعوا نفتح لكم واسألوا بصدق تُجابوا، ولا تنالون ما لا تشتهون. وكذلك هو منطق الحكمة المقدسة في كل الديانات السماوية المتعددة ذات الحقيقة البسيطة الواحده.

إن الله سبحانه وتعالى غني بذاته عن طاعة خلقه لا يزيد في ملكه طاعة من اطاعه ولا ينقص من ملكه معصية مَن عصاه وأعمال الخلق تُرَد إليهم، فـ"مَن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها."

عودة إلى الصفحة الرئيسية