هنا والآن تكمن فرصتك وليس في المستقبل، لأن المستقبل هو امتداد للـ - هنا والآن

يتعرّض عالمنا اليوم إلى رياح تغيير قوية تعصف به في مطلع هذه الألفية، ويبدو العالم السياسي بمثابة كتلة من الاضطرابات تقذف الحكومات والدول الكبيرة والصغيرة بالفضائح أو تسبّب بالعلل والأزمات الاقتصادية، فيما تُذهب الثورات والكوارث على أنواعها بحياة الملايين. أما المؤسسات الدينية فتناضل عبثاً من أجل بعث الأمل في قلوب البشرية التي أنهكها الإحباط.

ما هي القوة التي تدفع البشرية إلى تطوير الطاقات المدمرة في هذه الأيام؟ هل تصل القوة والمعرفة عند البشر إلى نقطة الغليان حيث يكمن وراءها كوابيس من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية؟

ومهما كانت النتائج المترتبة، فإن كل منا يساهم حتماً في تشكيلها، لأنه رغم الجور الكبير في التوزيع الحالي للثروات المادية والطاقة في العالم، فإن السبب الحقيقي للفوضى الحالية يقع ليس في الحياة الخارجية للجماعات بل في الحياة الداخلية لكل فرد. هل سنخرج يوماً من سبات المتحجرات الفكرية التي هيمنت لعهود طويلة على طبيعة الإنسان والكون؟ بل الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة هي تلك الأسئلة القديمة قدم الوجود الآدمي على الأرض: من أكون؟ وماذا علي فعله في هذه الحياة؟ ما هي قيمة الحياة والموت وأهميتهما؟

وإذا ما طُرحت هذه التساؤلات بصدق فإنها سرعان ما تقوض معتقداتنا المتحجرة لتبدّل مجرى تفكيرنا برمّته وتغير مشاعرنا وبالتالي حياتنا أيضاً. وحينما يُدعى رجال كبار إلى مساءلة ذاتية من هذا القبيل فإن البشرية جمعاء ستشعر حتماً بمسؤولية مماثلة.

لكن من أين نبدأ بخطوة نتّجه بها إلى دراسة هذه التساؤلات المصيرية آملين أن نحرز عبرها رؤية أفضل؟ البعض يتجه إلى تعاليم الأديان الأصيلة في محاولة لتفتيح براعم الإلهام المقدس في داخلهم التي طالما جذبت الباحثين إلى ذلك الطريق، فيما يشعر البعض الآخر بحافز قوي إلى إصلاح الذات لكنه يتطلع في المقابل إلى وجهة أخرى.

ويبدو من الطبيعي والمناسب أنه بقدر جهدهم وإصرارهم على البحث عن الحقائق الروحية الأزلية بقدر ما تكون ثمة احتمالات لنمو داخلي متاح للآخرين من كلا الاتجاهين.

وحتى في بحث نبيل كهذا ثمة عوائق ونهايات صعبة عديدة، والسبب يعود في معظمها إلى عاداتنا القديمة المتأصلة في قياسنا للتقدم من خلال أهداف مرسومة مسبقاً وعبر زخارف الإدراك الخارجية.

كما هو واضح، أي تطور روحي حقيقي يجب أن يتضمن تطور الإنسان بكليته، فكم نميل غالباً إلى عزل منحى ذاتي فينا على حدا بوحي بعض المبادئ التي نعتزم العمل وفقها في كل لحظة. وعزمنا هذا قد يكون خطوة إيجابية لكنه غالباً ما يقودنا إلى فشل محبط يتحول إلى خيبة أمل واكتئاب، لنحكم على أنفسنا بعدها بالفشل الدائم.

لكن هل ينمو كل عضو في الجسد المادي منفصلاً عن الآخر؟ أم هل تكتمل عضلات الجنين وعظامه ويخرج إلى الحياة دون أن يمر في مراحل النمو الطبيعي؟ بالطبع لا، فالجنين يتبع مساراً متوازناً ومتزامناً على كل هذه الصعد، ومثل هذا التطور الروحي، تطور كلي ومتزامن، هو المقياس الحقيقي للتقدم المنشود.

ثمة طريق لتطور روحي أصيل أوصى به دوماً معلموا البشرية العظماء عبر العصور. إنه طريق رائع وبسيط لأنه يتطلب منا أن ننسى أهواء النفوس ونزواتها الخاصة كلياً والبدء حالاً، الآن ومن هنا، لنحيي في داخلنا حباً متفانياً عظيماً دون السعي إلى شيء في المقابل.

هنا والآن تكمن فرصتك وليس في المستقبل، لأن المستقبل هو امتداد للـ"هنا ولآن". أي عمل تقوم به هنا والآن مهما كان بسيطاً بنظرك، ينطبع في أثير النفس الكلّية لينعكس مجدّداً عليك وعلى عالمك. فالأثير في عالم الطبيعة هو ممثول الفكر في عالم الروح، هل باستطاعتك التغلُّب على فكرة سيئة طرأت على تفكيرك إلا بمعالجتها بتحريك إرادة التمييز، هنا والآن وفوراً؟ كذلك الأمر، هل باستطاعتك صدّ انعكاسات عمل سيء من أثير الوجود إلا بتحريك إرادة العمل هنا، الآن وفوراً؟

ومن الطبيعي أن التغيرات في أفكارك ومشاعرك لتكييف نفسك تماماً مع هذه المبادئ الكونية ستستغرق وقتاً كي تتحقق، ولكن الأثير ليس له نهاية وكلّه ملكك في أي لحظة تتّجه بها نحو التغيير.

مهما تمكث بعيداً عن هذا الطريق الروحي فبوسعك أن تتجه شطره في أية لحظة، وبهذه الخطوة الأولى تبدأ المسير بالتناغم مع نواحي ذواتك العليا ونواحي ذوات الآخرين. وهكذا تستطيع أن تقوم بأعمال صالحة في يوم واحد أكثر مما تحققه في فترة حياة تقضيها في الكفاح من أجل التغلب على ضعفك المعهود. لأنك بإتباعك هذه الطريق فإنك تحيا فعلاً السر الأكثر جمالاً وسمواً والأكثر عظمة في الكون، سر المحبة في قلب آدم.

عودة إلى الصفحة الرئيسية