|
|
تنين العصور والأزمان ليس لوجوده مكان!
يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب
عالم الروح هو عالم العقل، وهو يسبق عالم المادة. لكن ليس هذا السبق سبق زمني بل سبق معنوي، فعالم المادة هو لعالم الروح كالصفة للموصوف، والموصوف يسبق الصفة سبق جوهري لا زمني.
عالم الفكر هو عالم النفس لا العقل، وهو يتوسّط عالم الروح وعالم المادة، لذا فهو صفة أقدم لعالم الروح من عالم المادة.
الفكرة تسبق المظهر والسلوك الخارجي للمادة، وإنما لا تُعرَف إلا من خلال هذا المظهر.
ولا يدرك المرء الخير أو الشر في الصورة المرئية والمسموعة في عالم المادة إلا بإدراكه المسبق للفكرة التي تعبِّر عنها هذه الصورة في عالم الروح، ولذلك فالعلم الحقيقي هو تذكّر وليس اكتساب.
الشر الروحاني يترك انطباعه في عالم النفس قبل تركه في عالم المادة، أي يفعل فعله في الفكر، وهو كالتيار المعاكس لتيّار العقل. النفس مائلة إلى الحالتين، والنفس العاقلة تتلقّى القوّة أو الإرادة من العقل للتغلُّب على الأفكار السالبة.
لذا فكل شر هو فكرياً وليس مادياً وينبغي أن تدخل فيه الإرادة قبل أن تنتفض له العضلات.
ليس هناك وجود مادي أو فعلي لـ »التنين« في عالمنا اليوم، فقد انسفل تأثير قوّة الشر بالصورة عصر بعد عصر، ودور بعد دور، إلى أن ضعف فاقتصر في عصرنا هذا على التوهيم – أي على ما تنطوي عليه الصورة الإنسانية من مظاهر للوحشية.
وليس الإنسان اليوم على موعد مع مواجهة »التنين«. فقد يصطدم المرء مرة مع القدر فيموت ميتة واحدة، لكن بفكرة أنه »قد يصطدم مع التنين يوماً« يموت ألف مرة وهو على قيد الحياة. هذا هو الموت الحقيقي »قتل الروح الدائم« قي تجسيم الخوف الوهمي.
غالباً ما يجد المرء نفسه في ساعة المواجهة »قادراً« على عكس ما تصور ويكتشف أن ما قد تصوره يوماً شيئاً مخيفاً مرّ بسهولة.
إن عالم الزمان والمكان هو مسرح صراع الوجود والعدم. وبقدر ما يكون الإنسان على معرفة واتصال بالحكمة بقدر ما يتحكم بقدره على هذا المسرح. كل خير وشر قديم روي عنه في القصص والأساطير بات واضحاً للأعين الشحمية اليوم من خلال الأعمال الإنسانية.
لقد بنى الشر لنفسه وجوداً في الوهم مستشعراً لفراغ مدّة تأثيره في الواقع.
لذلك نتصور الشر وكأنه وحش موجودَ لا بد لنا يوماً نحن المخلوقات الضعيفة الصغيرة بأن نواجهه، ولا نعلم بأن في تصورنا هذا قد أطلنا فرصة الشر الأخيرة للبقاء، صنعنا للشر الوجود بعد أن زالت قوّته عن الوجود. ولكن الويل ثم الويل، فقد اقتضت القيامة الفردية وهو أصعب امتحان أن لا ينال الفرد على مسرح الوهم إلا صوراً تجسّد ما اعتاد أن يراه في تجربته السابقة – تجربة الوحش والتنين والحية القديمة.
فلا أحد يواجه خطراً لم يتصوره من قبل. والنتيجة أنه بدلا من أن يستقرىء القارىء في وجوده في العالم المادي الاستقرار الذي منحه إياه هذا العالم كمنحة الاستيقاظ للطفل من بعد كابوس، فقد اختار نفي هذا الاستقرار وبمحض إرادته لكي يرى عوضاً عن حالة الوجود الحقيقية أشباح انعدام هذا الوجود. ولم يدرك بأنه يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب.
لا يمكن لأحد أن يمس الآخر بأي ضرر إلا بالتعرض أولاً إلى أفكار الآخر، فمن لا يفهم اللغة الفارسية مثلاً لا يفهم ما يقال ضده بالفارسية بالتالي لا يتأثر بما يقال، وكذلك من يمرن عقله على تمييز لغة الشر في الفكر وتحجيم تأثيرها لن يتأثر بالمظاهر الخارجية التي تهدف إلى تحجيمه وتخويفه.
ولأن الأغلبية من الناس لم تتعود على أخذ العالم الروحي على محمل الجد يجدوا صعوبة في استعمال هذا العالم كدرع واقية بين ما يسمى بالـ »أنا« وبين ما يتعرض له الجسد في العالم المادي. فهم فقط يستعملون الفكر كأداة تتنبه فقط عندما تلسعهم المادة. والبعض يلجأ إلى قتل الجسد هرباً من واقعه المادياعتقاداً منه بأنه بذلك سيتحرر من الشر ليذهب إلى عالم روحي. وكأنه يضمن أنه سوف يتوقف عن التفكير حال موته.