حقيقة الـ قلم وحقيقة المكتوب على اللـ لوح

تسلق إلى أعلى الشجرة السامقة 

وامشِ على الغصن الذي تخشى أن ينكسر تحت وطأة ثقلك

دعه ينكسر

في طفولته يتصرّف الإنسان حدسياًً دون محاولة معرفة القوى التي تحرّكه أو تحرّك العالم من حوله.

وعند صباه يخسر الإنسان قوّة الحدس (العقل) شيئاً فشيئاً  فيفتّح عينيه على الأشكال والألوان والأحجام ليجد نفسه مدفوعاً بغريزة الفكر (أو النفس الحسّية) للبحث عن مصدر القوة التي تحكم عالمه المحسوس. 

وسرعان ما يصطدم في بحثه هذا بأشباح كبيرة توحي بأنها مصدر القوّة بدأً بالسلطات العائلية والاجتماعية مروراً بالسلطات الدينية ووصولاً للسلطات التي تحكم العالم اليوم بالاقتصاد والإعلام – سلطات كلّها تدفعه لكي يصطنع تصوّر للقوّة خارج ذاته.

وحينما يلتفت إلى الوراء مستذكراً مراحل حياته، يدرك كيف تغيرت به الأحوال

دون أن يدري: لعل الأمور لم تجرِ كما خطط لها...

لعل ولعل...

لكنه قد يلاحظ أيضاً في التفاته هذا بعض الترابط بين الأحداث، غاية مرشدة إلى حد ما، غالباً ما تبدو وكأن جزءاً خفياً فيه يدفعه على استكشاف مساحة أخرى من الحياة بنظرة مختلفة، قد تكون مبدأ جديداً أو تحدياً في المحيط أو العمل...                                                            

وحينما يوجّه الإنسان إرادته لمعرفة ذلك الجزء الخفي يصطدم بأشباح صغيرة تهدّد كيانه من الداخل وبقوّة يصعب تحديد مصدرها وتمييز هويتها خصوصاً في ظل السيل الهائل من المعلومات التي تنشر يومياً عبر الإعلام في ما يسمّى عصر المعلوماتية، فيصبح أسيراً لسلطات وهمية، وهنا تكمن المعادلة الصعبة: إما تتحرّر نفسه أو تعاني من الصمود.

ومع استمرار سيطرة أشباح الفكر قد يتغلّب على الإنسان اليأس ويصبح التغيير لديه تجربة مرّة أو بالأحرى فكرة مخيفة – وهنا تكمن أهمية الصبر على الفكرة واستمداد قوّة التمييز من الحكمة والاستدلال على الواقع من خلال مرافقة أهل الحكمة إلى أن تُستهلك حدود الفكرة وتظهر معالم العبرة في العالم المحسوس فتُزال الغمّة ويتحجّم الضرر.

لماذا العالم المحسوس؟ لأن سعادة النفوس لا تتحقّق إلا بإدراك المحسوس، وتحوّل اهتمام الأنسان الخطير من عالم الزمان والمكان شيئاً فشيئاً إلى "الواقع المفترض" الذي يدعو إليه الاقتصاد العالمي اليوم وتمهّد له التكنولوجيا المعلوماتية، وحصر تصوّر مفعول الإرادة الإنسانية ضمن حدود وهمية  دون التحقّق من مفعولها على الأرض يؤدّي في النهاية إلى مرض نفسي وتصوّر دائم للعجز وبالتالي إلى اليأس والقتل الروحي ...

إن القفز إلى هاوية مظلمة لأفضل مئة مرّة من تصوّر القفز.

كل العالم اليوم يتصوّر الإرادة ...

ولذلك قد تساوى العالم في طلبه لمعرفة سر "الحقيقة" أو "الحق" أو "الإله" سمّها ما شئت، ولكن لا يبلغ هكذا معرفة إلا مَن يستطيع القفز من هاوية تصوّراته لها.

إن عالم الفكر لا بداية له ولا نهاية ولا حد، ولذلك أوجبت الحاجة وجود عالم الزمان والمكان كمقياس، ولكن إرادة الإنسان اليوم شبه مغيّبة كلياً عن رؤية الصورة من المقياس، وبالمقابل هناك كم هائل من المعاني والمقاييس الوهمية يتداولها الفكر يومياً.

لذلك قد بلغ العالم نهاية النهايات بالتصوّرات واستغرق في طلبه لصورة "الإله" دون معرفة حقيقة "سر الإله في آدم وسر آدم في الإله" - استغرق في طلبه لصورة العظمة فتصوّرها على حساب أبسط القوانين الآدمية.

قد هوى الإنسان في بحر من الوهم لا نهاية لأمواجه، لأن واقع الواقع: لم يَظهَر في تاريخ الإنسانية ضعف الإنسان أكثر ممّا يظهر اليوم، وإن لم تكن لتصدّق ذلك انظر إلى الإهرامات وبقايا تاريخ مجد ضائع بين الصفحات.    

إن تعاقُب الأحداث اليوم يُشار إليه بلوح القدر، ولا يملك مفتاح القدر إلا من يعرف حقيقة القلم وحقيقة المكتوب على اللوح- حقيقة الدال والدليل والمدلول.

عودة إلى الصفحة الرئيسية