الإدراك الحقيقي

النفس لا تعاقب بل تعتقل لأسباب الحياة واكتمال دورات النجاة

هو مقدرة النفس على تبصُّر المعنى الأسمى من الواقع الذي لا تخطئ رؤياه أبداً، رغم أن الكثيرين اليوم لا يميزونه عن رؤيتهم المادية.

هو وعي دقيق وحدسي كومضات البصر يبرز حين نجدّد نظرتنا إلى الأمور الحاصلة من حولنا ونبصر كثرة المظاهر بعين الوحدة ونحسن الظن بالخير الأعظم الذي يكمن وراءها.

وبالتقاء نفوس أبناء الواحد على الرؤية الموحّدة للأمور يصبح الإدراك أكثر وأكثر مدعّماً بواقع محسوس، وتنتفي الاضطرابات الفكرية المرتبطة بالنظرة الموهومة للواقع، فلا يعود هناك تطاول بين الضحكة والمعاناة، وتطول مدّة الراحة السالمة من العبر. حتى عندما يكون التماس التغيير بطيء، فإنه يكون ثمة نفاذ للبصيرة من التفاصيل وتصبح النتائج أعظم من الجهد المبذول.

والإدراك الحقيقي يختلف عن تشخيصات الحدث ووجهات النظر، تلك التي تتبدل مع الوقت في تقلب الزمان وتغلب طابع النسيان، فهي ليست ممحّصة ومدروسة إنما هي نتاج عامل النفس والوقت، في حين أن الحدس لا يحده أي زمن.

إذا نظرت إلى نفسك في العالم الخارجي (أي في مرآة الكثرة) سترى جمع مشتت من أشخاص وصور وأصوات كل منها يحيى حياة مختلفة تسلب النفس في تيّارات تقذفها عواصف الفكر بعيداً وربما لا ترجعها إلى شواطىء الأمان أبداً.

لأن النفس لا تُعاقَب، بل تُعتَقَل لأسباب الحياة وبُعدها عن قوارب النجاة، فلو أنها كانت تُعاقَب، لكانت حدود العقاب هي شاطىء نجاتها من الضياع والتيه، إنما اقتضى العدل الإلهي للنفس بعد أن توضّحت لها شروط آدميتها انعدام حدود ما تصنعه في مصيرها من خير وشر بنفسها لنفسها. 

وكيف للنفس الرجوع إلى شواطىء آدميتها؟

هذا لا يتحقق سوى لمن لامس الكمال في هذا العالم.

العاجزون عن الكمال لا يتصرفون من وحي الإدراك. فإنهم لا يغضبون مثلاً انطلاقاً من وعي مدرك يحثّهم على ذلك، بل لعجزهم عن تصوّر الوحدة الذاتية وراء الكثرة، يحكمون عادة السماح لواحدة من الصور والأصوات الخارجية المنفصلة من أن تظهر نفسها غضباً لتهيمن في حالات معينة، خاصة بدوافع التعب أو الانزعاج،

وأحياناً كثيرة لا يعون متى يبدأ كل هذا. والصراع الداخلي ما بين العادات المختلفة هو النتيجة الطبيعية المترتبة عن ذلك، وهذا ما يعرقل عمل الوحدة فيهم.

إن العادة التي تسَمّى غضباً قد تكون في صراع مع التمني في أن تبقى النفس تحت السيطرة والهدوء.

ولكن التمنّي الغير مدعّم بحكمة الصبر يصبح نزعة مثله كمثل نزعة الغضب، وكأنه محاولة غير مباشرة لإثبات فكرة،

وهاتان النزعتان تتصارعان من أجل استمرار وجودهما بالتنافس فيما بينهما على حساب سكون النفس واستقرارها، وارتباطهما بوجهات نظر محدودة يحول دون توصل النفس إلى حسم فعلي.

ثمة اختلاف كبير بين الإرادة القوية والإرادة الحرة. ليست الإرادة القوية إرادة بكامل معنى الكلمة بل إنها ظهور لنزعة نفسية متطورة بشكل غير طبيعي، أو بعبارة أخرى: رغبة.

تحقق الإرادة القوية الانتصار في صراع ما، لكن الإرادة الحرّة تبقى مسالمة في حصانة لا تقهر. الإرادة القوية هي انعكاس لرغبة فكرية منفصلة تماماً عن الذات، فيما الإرادة الحرة هي تجلّ لذات تتحد في تناغم مع وقائع التجربة ولا تطمح لإثبات قوّة المستقبل في الحاضر، بل تتجسّد بسعادة الحاضر.

لا تستطيع الإدراك أبداً من خلال الإرادة القوية، وكي تسمح للإرادة الحرة من أن تتجلى، فإنك تحتاج إلى وعي متكامل في الحاضر. وبعكس المعرفة المادية فإن الإدراك الكلي هو أبعد مما تتصور. وهو كالأفق المترامي الأطراف، لا يمكن تجزيئه إلى نظرات. لذلك عليك اتّخاذ موقع "الناظر في البعد والقرب" والمنتظر من دون الانتظار على قدر ما أوتي لك من إرادة لكي تتمكّن من تجديد نظرتك إلى الكل في الأجزاء من غير انقطاع.

فالإرادة القوية مثلاً قد تحكم على عمل ما أنه ينبغي القيام به وتقنعك بتنفيذه، وبمراقبتك تصرّفها هذا من موقع الناظر أو المدرك تستطيع مشاهدة ماهيّة ما يحدثه عملك هذا في الصورة النهائية التي تشاهدها فترفع أدوراك عن مستوى الفعل التصرّفي إلى مستوى الفعل الإدراكي، فتدرك حينذاك أن هذا العمل لا تتمنى حقاً القيام به، وبذلك تقلل من حدة الإصرار الذي يحدثه الحكم المتسرع في صورة كيانك التي هي واقعك ومهما لبِسَت الأشكال والتعدّدية الخارجية تبقى هذه الصورة صورة ذاتك أنت.

وهكذا تتصرف وفق إرادتك الحرة لأن إدراكك لم تعد تتحكم به أصوات العادة التي تثقله إزعاجاً.

كل منا يسعى لمستوى حياة افضل لكن الأكثرية مقيّدة بمحدودات الواقع المادي طالما بقي إدراكها مادياً وعاداتها متأصلة ومتجذرة في العمق.

إن التطور الداخلي الحقيقي للإنسان هو تطور روحي ينعكس تلقائياً على العالم المادي.

حينما نبدأ بمراقبة أفعالنا وعاداتنا نبدأ بإدراك الأشياء بوعي أكبر ونتيقن من هيمنة تلك العادات على حياتنا ولربما تمكنّا من الهرب من عبوديتها وبالتالي التوصل إلى الإدراك الذاتي المنشود.

قبل أن تحرز النفس إدراكها، يجب أن تحقق التناغم الداخلي وأن تنقي الأعين الشحمانية من كل الأوهام المحيقة بها.

عودة إلى الصفحة الرئيسية