|
|
مستقبلنا بأكمله يعتمد على نوعية تفكيرنا وإلهامنا.فمهما كان تأثير البيئة على حياتنا، ففي الحصيلة النهائية فإن نوعية الأفكار والدوافع هي التي تمارس التأثير الأكثر ثباتاً على شخصيتنا«
من أكثر الأسئلة صعوبة: من أنت؟ من تصوّرك قبل أن توجَد؟ مَن هندس صورتك؟
أليس صحيحاً أن كل ما ندركه بالحواس مولود في العقل؟ من الكأس إلى قلم الحبر الذي نستعمله إلى المنازل التي نسكن فيها، كلٌ قد نشأ في فكر المصمم أو المهندس من قبل أن يكتسِب أشكاله.
ألا ينطبق هذا أيضاً علينا؟ ألا ينطبق على أعمالنا وعلى الكلمات التي نتفوّه بها؟
ألا تصنع تلك الأفكار العالم كما هو اليوم؟
وبالتالي:
أليس العالم كما نراه حولنا هو مسؤوليتنا أجمعين؟
يجب ألا نخشى من أي شيء يعترض مسلكنا، بل يجب أن نتقبله كشيء إيجابي بقدر المستطاع، لأن في الحقيقة، إن أفكارنا هي كل ما يحدث لنا.
الكون هو مرآة النفس، والنفس هي من يُنسَب اليه الفكر، ولا تتطهّر النفس من معتورات الفكر إلا عندما تشاهد منتهى الفكرة في العالم المرئي وبالتعابير الآدمية.
ولكن العالم يجهل الدور الذي تلعبه الصورة الآدمية في صنع السلام أو الحرب. وهذا الجهل هو دليل انحطاط في الفكر...
باختصار، إنه زمن تدهور الأفكار، وبالتالي إنه زمن الحروب والكوارث، .
الأفكار وتأثيرها:
في الداهمابادا، أقدم النصوص البوذية، وفي آياته الافتتاحية إعلان صريح بأن الإنسان هو ثمرة أفكاره، وبأنه إذا ما تكلم أو تصرف بقلبٍ كدر فالمعاناة هي العاقبة، لكنه حينما يتكلم أو يتصرف بقلب نقي فإن السعادة ستلازمه دوماً حتى النهاية.
لذا فإن مستقبل العالم بأكمله يعتمد على نوعية تفكيرك وإلهامك،
فمهما كان مقدار تأثير البيئة على حياتك، ففي الحصيلة النهائية فإن نوعية الأفكار والدوافع هي التي تمارس التأثير الأكثر ثباتاً على شخصيتك وبالتالي على شخصية مَن حولك.
ونجد هذا الفكرة ذاتها متضمنة في الآداب المقدسة في العالم، ليس أقلها في النصوص المسيحية كما تشهد بذلك كلمات يسوع المتحدية إلى الفريسيين:
»إما أن تجعلوا الشجرة صالحة وثمرتها صالحة وإما أن تجعلوا الشجرة فاسدة وثمرتها فاسدة لأنها من الثمرة تعرف الشجرة. يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار وإنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب. الرجل الصالح من كنزه الصالح تخرج الصالحات والرجل الشرير من كنزه الشرير تخرج الشرور (متى 2/33 - 35).
لكن ما هي الأفكار، ومن أين تأتي؟
هنا نلامس صميم سر الخلق، وتطور كل الأشياء، من الأكوان إلى الذرّة. في الحقيقة، وُجِد عالمنا، الكون بذاته، بفكرة لم يُصنع من هواء رقيق ، لكنه ولد من قداسة ما،
ما هو الكائن البشري، نبتةٌ ، حيوانٌ، أم كون؟
تخبرنا أساطير الخلق عند الشعوب القديمة القصة ذاتها: وحده الظلام كان يملأ الفضاء اللامتناهي اللامحدود حينما »كان الكون لا يزال مختوماً في الفكر الإلهي لدى العزة الإلهية، ثم مع رعشة اليقظة الأولى تجسدت الحياة في خلق »آدم« (العقل الكلّي) عندما اخترق نوره ظلمات الخلاء، لقد سبقت فكرة "آدم" الوجود المادي بكل أنواع كينوناته.
»الأفكار هي أشياء« حقاً، إذ أنها كائنات بالقوة تحتجب وراء الأشياء المرئية، وكلما اقتربت هويتها من دائرة المعرفة (دائرة الخير والشر المطلق أو دائرة الكشف) تجسّدت بالأفعال الآدمية.
لذا فإن الأفعال الآدمية هي دائماً وأزلاً مقياس كل الأشياء، هي دليل ابتداء الحضارات، وهي مؤشّر انتهاءها.
وحيث أننا قد لا نكون مُوجِدي تلك الأفكار، فيجب علينا أن نتحمل المسؤولية كاملة لنوع الصور الآدمية التي نجتذبها إلى دائرتنا، ولنوعية التأثير الذي نتركه عليها خلال مرورها وخروجها من الفكر،
كينونات فكرية كهذه هي إما تستفيد لدى اتصالها بنا أو تتقهقر - وهنا تكمن مسؤوليتنا، ليس على أنفسنا وحسب بل على تلك القوى الفكرية التي نستضيفها.
حينما تحضنا فكرة أساسية - فكرة عناصرية حقيقية في مرحلة نمو أولي - تحضنا على عمل غير ذي نفع، يجب ألا نخاف، بل بمقدورنا وبكل سهولة تقييمها على ما هي، ومن ثم ارسالها بكل هدوء في طريقها.
حينما تفهم ما تمثِّل تلك الأفكار التي تحتشد في ذهنك، ليس في حد ذاتها وحسب بل ما تمثل للكون بأسره، ساعتئذ تبدأ بذكاء أكبر في التعامل مع حضورها في الفكر والنقطة المهمة هنا هي أنك لست مجرد ضحية، بل بالأحرى متلقّ واع لتلك الأفكار، بفضل حقيقة أنك نتملك خيار اختيار أي نوع من الكينونات الفكرية ستستحوذ عليك.
وقد قيل حقاً: "إننا قد نعجز عن منع الطيور من التحليق فوقنا، لكننا لا نعجز عن منعها من بناء أعشاشها على رؤوسنا!."
تنتمي أفكار عدة إلى حياتك هذه، لكن هناك أفكاراً أخرى تضغط عليك رافقتك من حيواتٍ سابقة وذلك هي عصية على الفهم،
لا أحد منا محصّن من أفكار مرعبة كهذه في أي وقت، إذ إننا نحن البشر لنا تاريخ دهري ولذا نكون قد مررنا في تجارب كثيرة بعضها ربما كان ما دون معايير اليوم. إن تأثير تلك الأفكار التي نمتلكها فعّال إلى مدى كبير، لكن إلى أن تنتهي كلياً قوتها التأثيرية لا يزال علينا أن نتعامل مع ذيل مذنَّبها. وكلما تبددت قوتها الأصلية،كلما كان تأثيرها أكثر لطفاً واعتدالاً علينا. في كل مرة تتبدى لنا باستطاعتنا تغيير موقفنا منها وبِذا نخفِّض من مقدرتها على إخلال توازننا.
لكن عليك ألا تلقيها جانباً من دون تفحصها، إذ بفعلك هذا سوف تميل إلى تشديد تأثيرها على وعيك. إن احتقار الأفكار السيئة هو مؤذٍ كمحبتك لها، إذ أن الحب والكراهية هما قوّتي الشر المطلق. أما قوّة الحب الحقيقي فهي فوق تأثيرات الفكر، هي الحاكم في الفكر:
إن العملية الدقيقة التي تسيّرنا نحو تطوير أنفسنا روحياً لن تجعلنا نرتاح. إذا استعملنا خيالنا كاستعمالنا للتفكير العقلاني، سنرى الأفكار التي تظهر لنا، متدفقة ومنسابة بشكل يبدو غير ارادي. ومفتاح فهم هذه الأفكار يكمن في إحرازنا النظرة البعيدة المدى، لأنفسنا ولعلاقتنا القريبة والحميمة بالصورة الآدمية وبالكون الذي تجسّده الصورة.