|
|
النفس لا تُعاقَب بل تُعتَقل لأسباب الحياة واكتمال دورات النجاة
مقتطفات من لوح "المفتاح" لهرمس الهرامسة
يمكن للمرء أن يتجرأ ويقول أن الإنسان على الأرض هو "الله في جسد قابل للموت" بينما الله في السماء هو "إنسان في جسد لا يموت"
"ليس لعالم الضد عقول"
"النفس الغير صالحة تبقى عند الموت أسيرة ما هي مفطورة عليه، معاقبة من قِبَل ذاتها، باحثة عن جسد أرضي لتدخله.. ولا يمكن لأي جسد غير جسد الإنسان أن يستوعب النفس البشرية، وليس صحيحاً أن النفس البشرية يمكن أن تتقمّص جسد مخلوق غير بشري. لأن قانون الله وجد من أجل: أن يحمي النفس البشرية من خرق مروع كهذا."
كيف إذاً، أيها الأب، يمكن أن تُعاقَب النفس البشرية؟
وأي عقاب أكبر لأي نفس بشرية، بني، من الافتقار للفضيلة؟ وأي نار لها لهيب أشد حرقاً من الافتقار للفضيلة؟ وأي وحش أضر يمكنه أن ينهش الجسد كما ينهش نقص كهذا النفس؟
ألا ترى أي أنواع المرض النفس الهابطة تستضيف؟
تصرخ وتصيح: إني أحترق؛ أنا متّقدة، لا أعرف بماذا أصرخ أو ماذا أفعل، آه، حقيرة أنا، ملتهَمَة بالأمراض المحيطة بي، في نقص، فقيرة، لا أرى ولا أسمع!
وهكذا هي الصرخات الصادرة عن النفس المعاقبة؛ وليس كما الكثير يظن ويعتقد أن النفس، عند انتقالها من جسد إلى آخر تعاقَب بدخولها جسد حيوان.
فهذا خطأ جسيم، لأن بالشكل الآتي تتعذّب النفس:
إن القانون الإلهي يحكم على العقل الإبليسي (الضد الروحاني) اتّخاذ أجساد غريزية الأحاسيس ودخول أنفس عديمة الفضائل فيجلد النفس بضربات مصنوعة من ذنوبها هي.
والنفس الهابطة، معتّقلة بذنوبها، تغرق في الجرائم، العداء، الادّعاءات، والعنف على مختلف أنواعه، وكل الأشياء الأخرى التي بها يُدان جنس البشر.
أما النفس الشريفة، فهي في حماية العقل، يحيط بها ويرشدها إلى نور المعرفة. ونفس كهذه لا تتعب أبداً من أناشيد التسبيح للإله ومن إفاضة ميامن بركاتها على البشرية، وفعل الخير قولاً وعملا تماثلا بمنشئها.
والعقل هو الملاك الخيّر "النصف إله". ومباركة هي النفس الأكثر امتلاءاً منه... وبائسة هي النفس الخالية من العقل.
أبتاه، ماذا يعني هذا مجدّداً؟
لا تظن، بني، أن كل نفس تملك الخير (العقل)؟ لأننا عنه نتكلّم وليس عن العقل الذي هو في خدمة ما كنا نتكلّم عنه سابقاً، العقل المبعوث لعقاب الأنفس. لأن النفس من غير العقل الخيّر لا يمكنها التكلّم أو الفعل، وأغلب الأحيان يغيب العقل عن النفس، وعندها لا يمكن للنفس أن ترى أو تفهم، وتصبح كمخلوق غريزي خالٍ من المنطق...
والعقل الخيّر لا يحتمل النفس البليدة، بل يترك هكذا نفس معلّقة بالجسد موثوقة به إلى الأسقل. هكذا نفس، بني، لا تملك عقلاً؛ ولا ينبغي أن يُطلَق عليها اسم "الإنسان". لأن الإنسان هو شيء من الألوهية وحياته لا تُقاس بحيوات باقي الأشياء على الأرض، بل بحيوات العالم العلوي (أو الذين يُسَمّوا بـ"الآلهة").
وأكثر من هذا، إذا أردنا قول الحقيقة بصراحة، "الإنسان" الحقيقي هو حتى أعلى مرتبة من الآلهة، أو على الأقل لا يختلف عن الآلهة مثقال ذرّة. لأن ليس باستطاعة الالهة أن تتخطّى حدود السماء، بينما الإنسان باستطاعته الارتقاء إلى السماء من غير مفارقة عالم الأرض؛ ويعلم ما من أشياء فيها سامية، وما من أشياء هابطة، ويتعلّم بالتحديد معاني ومقاييس الأشياء كلّها... ولهذا السبب يمكن للمرء أن يتجرأ ويقول أن الإنسان على الأرض هو "الله في جسد قابل للموت" بينما الله في السماء هو "إنسان في جسد لا يموت" .
"أبتاه، التقدّم الذي حصل لي الآن، والرؤية المسبقة للأمور، نسبة للنبؤات والكتب المقدّسة، ألا يفوق حجم النقص المرموز إليه، أليس المقياس الأخير للأمور هو بالدرجة الأولى بداخلي."
"بني، عندما تتيقّن حقاً من حقيقة ما تقول، ستجد أخوانك، أبنائي، يشاركونك طلبك."
"لنصلي إذاً يا أبتاه: أناجيك، يا حاكم مملكة الإرادة، يا مَن كلماته تسبق القوة وتأتي كولادة للنور... أناجيك، يا مَن طبيعته تمنح المادة الأولى صورتها، وإرادته تنفخ الحياة في قوالب الصور في كل مكان. ويا مَن صورته تتحرّك حيثما وجّهها لتحكم العقل المتربّع فوق عرش القدّيسين. أناجيك يا مَن بواسطته، أرواح الثمانية الأطهار والملائكة تتحرّك، ويا مَن عنايته تمتد لتشمل الكل. يا مَن يضفي طابع الدهر على الأرواح. امنحنا الحكمة من نورك الذي يصل إلينا لكي يتوضّح لذواتنا وصف رؤية الثمانية الأطهار.
وها نحن قد أقبلنا على السابع (قوّة النفس) بما اننا اتّبعنا طريق الفضيلة وانهزم فينا حب الذات ومشينا بقانونك وعلى دربك. اسمح لنا عبر صفّيك (الروح) أن نشاهد شكل الصورة التي لا يعتريها النقص، وأن نستلم بركات انعكاس هذه المشاهدة علينا بتمجيدنا لك.
السابع (هرمس الهرامسة):
ماذا عساي أن أقول لك، بني؟ كيف لي أن أصف الكون (عالم النفس)؟ أنا عقل، وأرى عقل آخر، عقل يحرّك النفس! أرى ذاتي! أرغب بالنطق! الخوف يلجمني! قد اقتفيت أثراً للقوّة التي هي فوق كل القوى، القوّة التي لا بداية لها. وأرى الباب أمامي ينبوع متدفّق بالحياة. قد سبق وقلت، بني، انني عقل أيضاً. لأن قد تمّ لي المشاهدة! لكن اللغة تعجز عن كشف هذا. فالثمانية بأكملهم، بني، والأرواح التي في دائرتهم، والملائكة، يغنّون نشيداً بصمت.
كيف السبيل لغناء نشيد بصمت؟
هل أصبحت حال مَن لا يمكن التكلّم معه؟
أنا صامت أيضاً، أبتاه. أريد غناء نشيد لك وأنا صامت.
غنّيه إذاً، فأنا أيضاً عقل، أسمعك.
"أنا أفهم الآن، هرمس، الذي لا يمكن تفسيره، لأنه ينطوي على ذاته. وأنا أهلّل، أبتاه، لأني أراك تبتسم، والكون يهلّل...
ماذا تقول لي، يا أيها الأب، هرمس؟
بشأن هذه الأشياء، لا اقول شيئاً، بني. لأنه من عين الصواب بنظر الرب أن نبقى صامتين بشأن ما لم يُكشَف بعد."
يا ذي الثلاث شعب، لا تبقي على روحي الحرمان من هذه الرؤية العظيمة. فإن ليس من شيء مستحيل أمامك كسيد الكون."
عد إلى التمجيد، بني، وغنّي وأنت صامت. أطلب ما تريد بصمت.
وعند انتهاء التمجيد،
صرخ،
"أبي ذي الثلاث شعب! ماذا عساي القول؟ قد استلمنا هذا النور. وأنا نفسي أرى الرؤية ذاتها في حضرتك. وأرى السبعة والملائكة يغنّون نشيداً للثامن وقواه...
الأحرى بنا من الآن فصاعداً أن نبقى على صمت في وضع التمجيد. لا تتكلّم عن الرؤية بعد الآن. من الأصح أن نغني نشيداً للأب حتى اليوم الذي فيه تفارق الروح هذا الجسد.
ما تغنّيه، يا أبتاه، أنا ايضاً أريد أن أغنّيه."
أنا أغنّي نشيداً في داخلي. ولكن أمن المناسب، يا أبتاه، أن أمجّد بينما أطلق نفسي للراحة كوني في الحقيقة قد وجدت ضالّتي وقد مُلىء قلبي؟
المناسب في تمجيدك هو أنك تغنّي للرب، لكي يُكتَب غناؤك في هذا الكتاب اللذي لا يفنى.
سأقدّم تمجيدي إذاً في قلبي بينما أصلّي لنهاية الكون وبداية البداية لهدف انطلاق بحث الإنسان، الاكتشاف الذي لا يموت، الآتي بالنور والحقيقة، والحاصد للمنطق، حب الحياة الأبدية. ليس من كلمة مستورة سيمكنها وصفك، أيها الرب. ولهذا، عقلي يرغب بغناء نشيد لك يومياً. أنا آلة موسيقاك، والعقل هو ريشة العزف. ..
بني، دوّن هذا الكتاب بالأحرف الهيروغلوفية بعنوان "الثامن يكشف التاسع"
سأفعل هذا، أبتاه، كما تأمر الآن.
واكتب ميثاقاً على مَن يقرأ هذا الكتاب أن يحفظ كلمات هرمس، وأن لا يستعمل لغته استعمالاً معكوسا بغية معاندة القدرة، بل أن يخضع لقانون الرب، من دون تعدّي الحدود، سائلاً الرب بصفاء إدامة الحكمة والمعرفة...