|
|
(حول مخطوطات البحر الميّت)
قد ظهر أمام أبناء النور في قدس أماكنهم التي انطلقوا منها منذ الأزل، فغرقوا فيه، فأخطأوا حباً له، فتصوّروا غيابه وهو حاضر كما يتصوّر الحبيب حاله إن غاب عنه محبوبه، وكيف له أن يغيب وهو الذي يحيط بكل زمان ومكان ولا شيء يحيط به. يا لها من حكمة كونهم جهلوه وبه عرفوا جهلهم. يا له من عجب، كونهم كانوا في الأب من دون أن يعرفوا ومكّنهم من الرحيل بذواتهم منه عندما عجزوا عن الإحاطة به. فعاد وظهر لهم حيث ذهبوا ليعيدهم إليه. فكشف بهم للدهر عن إرادته في أحرف وصلت إلى أسماع الخلق ليست كمجرّد أصوات. قل أنها لأحرف صدق تُلفَظ فقط عندما تُعرَف، كل حرف يقف كحقيقة كاملة لها كيانها الخاص، وكيف لا يحتفظوا بذواتهم لحظة الذوبان في تلك الذات وكيانهم هوهو منذ البدء كمال الأب فيهم وكمالهم في الأب، فهم أحرف كلمته الأزليه التي كتبها للدهر بيد الوحدة
أما بشأن مصير أبناء الظلمة: هم كأطباق متصدّعة يرميها صاحبها عند انتقاله إلى منزل جديد وتزيد فرحته بالأطباق السليمة لأنها تحمل ذكريات تجربة البيت العتيق. فهذا هو الحكم الذي أتى من العالي والذي حكَمَ على بني البشر، سيف ذو حَدّين عندما يُشهَر لن يعُد مجرّد صوت أحرف في كلمة، بل جسد يهز ظهوره أواني البيت، فبعضها يمتلىء وبعضها يفرغ. والأمكنة ترتج وترتجف ويُفتَضَح الخطأ فيها فيحتار عندئذٍ من ليس لهم مكان في فكر الأب إلى أين المفر وماذا العمل، إن نفوسهم الضيّقة لفي مأزق كبير بعد حصرها وإنكارها، فأنى لهم أن يجدوا لذواتهم مأوى في الصور وقد مُحِقَت أنوارها وذوت معانيها بالوحدة فباتوا خارج أنفسهم، كالعدم فارغين من كيانهم، أرواح أزعجت هياكلها
جهلهم قديم قِدَم اعتراضهم على حُكم قد كان قبل دورة الزمان والمكان، فطلبوا الإمكان لإثبات ما هو ممتنع أصلاً (أي طلبوا أن يوجدوا لتثبيت اعتراضهم على طبيعة الوجود ودخلوا عالم الخلق لتثبيت اعتراضهم على إبداع الخالق) فأتى لهم ما طلبوا وكلّمهم الأب في دهر إمهالهم بأشخاص أبناء النور حجّة منهم عليهم، إذ أن في تكريس اعتراضهم على حكمة الخلق في الزمان والمكان نار مستديمة لهم، وامتداد الشر قد لا يغيّر من طبيعة الشر ولكنه حتماً يولّد عذاباً أكبر لا شفيع لهم فيه إلا بمعرفة مَن هم أبناء النور وما احتوت عليه لحظة قيامة أبناء النور من حكمة تذكّرهم بما حكموا به على أنفسهم بأنفسهم لئلا يمحقهم النسيان خارج نطاق الوجود، فلا يرويهم في القيامة سوى الشرب من الكأس الذي مزجوه في مزجتهم الأولى، وهذه هي رحمة الأب عليهم قد امتدّت لتحقّق إثبات ما جهلوا بواسطة مَن هم مكتفين أصلاً، أبناء النور الذين لم يخوضوا رحلة التضحية ويتعذّبوا بأجسادهم مكوثاً إلى جانب قبور الأموات إلا تلبية لإرادة الأب بأن يزور حتى الأحلام البعيدة ويؤانس حتى ظلمة منتهى الأوهام فيُنادى هؤلاء ساعة تمام اليأس: أوجدتم ما كنتم به توعَدون حقاً.
مَن هو إذاً الذي استطاع لفظ ذلك الإسم العظيم، سوى وحده الذي يملك الإسم. وأبناء الإسم بداخلهم يستقر إسم الأب ويستقرّون هم بدورهم في داخل الإسم، لأن الأب لا بداية له.
هو وحده مَن أراد ذلك الإسم لذاته قبل خلق الدَهر، ليتربّع اسمه فوق كل عرش ويحكم على كل حاكم، لأن اسمه لم يُقتَبَس من قاموس الأسماء، أو سمّيَ كما تُسمّى باقي الأسماء. هو أعطى الإسم لذاته بذاته، لأنه وحده مَن رأى الإسم قبل أن يُلفَظ، وهو وحده مَن يملك قدرة إطلاق إسم على ذاته. لأن مَن ليس له إسم ليس له وجود، فأي إسم يطلقه المرء على العدم المفقود. فساعة ينادى ذلك الإسم هي ساعة القيامة التي لا يُدرِك سرّها إلا الأب.
آه من تلك اللحظة التي احتجب فيها الأب عن أبنائه، وانشغلت بها الأنظار بصورة الإبن عن حقيقة الأب، فأوتي لوحش الصورة أن يتفوّه باسم المسيح عبارات حملت في طيّاتها كلّ العذابات المقترنة بوحشة غياب وجه الأب عن أعين أبنائه.
وفي تلك اللحظة أصاب الصورة الرعب فاهتزّ النظر، فأصبح الرعب كثيفاً كالغمامة، فبات الخطأ أقوى وفَعَل فعله في المادة الهيولانية، ولكن عبثاً، لأنه لم يعرف سر ذلك الإسم الذي ربط أبناء النور منذ الأزل بأماكنهم في رأس الأب.
وكيف لما ليس له جذور في فكر الأب أن يتحدّى حقيقة ارتباط أبناء النور بالذاكرة الأبدية، وهو أبداً منهمكاً بالتحضيرات المحكومة بالنسيان واضعاً أقصى جهده لكي يبقي لنفسه وحدة كالغمام ليس لها مكان إلا في الأوهام، لأن اللحظة التي يسمعوا فيها أبناء النور نداء أسمائهم يجذبهم معنى ذلك الإسم إلى أماكنهم في رأس الأب حيث لم يكن يوماً للنسيان هوية. قد وجدهم الأب في ذاته، ووجدوه في ذواتهم، وبما أنه احتفظ بكمالهم في ذاته لم يكن لينافسه كمالهم. فيا له من كنز استودعه الأب في ذاته قبل دورة الزمان ومنحه لأبنائه كطريق للعودة منه إليه.
أما أولئك الذين ظنّوا أنهم أذكياء وأنهم يمتحنون الأب ويهدّدون جماله في أعين مَن رأى وجهه، هم في الحقيقة أغبياء. لأن مَن نشأ على معرفة الأب اشتد عوده بمعرفة نواحي وجه الأب. فحُفِرَت تعابيرذلك الوجه في قلبه، وفي قلبه تجسّد كتاب الحياة حيث الميثاق الذي نُصّ في فكر وعقل الأب قبل تأسيس الكون، مودوع في ذلك الجزء منه الذي ليس لأولئك طريقاً إليه ولا لأحد إحاطة به.
هذا هو الكتاب الذي استصعب العالم حمله وهذا هو الميثاق الذي نقضه العالم. ولم يكن للعالم أن يوجد لولا هذا الكتاب. لكن فقط أولئك الذين لُقّنوا أحرف الإسم المحفورة في صفحاته يتلقّون الأوامر من الأب ويعرفون طريق العودة إليه.
بما أن كمال الكل مودوع في رأس الأب، من الضروري أن يرجع أبناء الكمال إليه وأن يأخذ كل واحد منهم مكانه في ذاكرة الأب. مَن يملك المعرفة سيجذبه الأب نحوه، ومَن هو جاهل، هو فقير، وإنه لفقر كبير أن يفتقر لذلك الذي من شأنه أن يبقيه في فكر الأب.
ولا يبقى في فكر الأب إلا مَن كان اسمه مدوّن في الكتاب. ومَن عرف الأب أسماءهم أولاً نوديوا آخراً، لكي يكونوا حجة على بني البشر، كونهم عرفوا اسم الأب ومجّدوه، ولا يملك هكذا معرفة إلا مَن تلفظ باسمه الأب. لأن مَن لم يُنطَق اسمه هو مخلوق جاهل. فحقاً كيف للذي ليس له اسم أن يسمع نداء مَن يناديه؟ ومَن يبقى جاهلاً حتى النهاية هو مخلوق النسيان ولسوف يفنى معه. لذا مَن يملك المعرفة فهو من الأعلى أتى، وعندما يُنادى، يعرف اسمه، يسمع، ويجيب، ويتوجّه نحو مُناديه، وينفّذ إرادته، ويرغب بإسعاده والاستقرار فيه. مَن يملك المعرفة يعرف من أين أتى وإلى أين هو ذاهب كما يعرف الحالم عندما يستيقظ أن ثمّة واقع ينتظره غير الحلم...
قد ظهر أمام أبناء النور في قدس أماكنهم التي انطلقوا منها منذ الأزل، فغرقوا فيه، فأخطأوا حباً له، فتصوّروا غيابه وهو حاضر كما يتصوّر الحبيب حاله إن غاب عنه محبوبه، وكيف له أن يغيب وهو الذي يحيط بكل زمان ومكان ولا شيء يحيط به. يا لها من حكمة كونهم جهلوه وبه عرفوا جهلهم. يا له من عجب، كونهم كانوا في الأب من دون أن يعرفوا ومكّنهم من الرحيل بذواتهم منه عندما عجزوا عن الإحاطة به. فعاد وظهر لهم حيث ذهبوا ليعيدهم إليه. فكشف بهم للدهر عن إرادته في أحرف وصلت إلى أسماع الخلق ليست كمجرّد أصوات. قل أنها لأحرف صدق تُلفَظ فقط عندما تُعرَف، كل حرف يقف كحقيقة كاملة لها كيانها الخاص، وكيف لا يحتفظوا بذواتهم لحظة الذوبان في تلك الذات وكيانهم هوهو منذ البدء كمال الأب فيهم وكمالهم في الأب، فهم أحرف كلمته الأزليه التي كتبها للدهر بيد الوحدة.
وبما أن حكمته عُرفت بوساطة ابنه "اللوغوس"، وبما أن تعاليم اللوغوس تعبّر عن حكمته، تبقى قداسته تاج على رأس خلقه ما بقي الزمان والمكان، لأن سعادة الإبن تتوحّد مع إرادة الأب، ومجد الأب يظهر بمجد الإبن. وحبه يفوح حول ابنه كالشذا، وثقته عانقت ابنه من كلّ حدب وصوب، ولذلك يمتد قانون اللوغوس إلى الكل كونه ثمرة قلب الأب وأداة تعبّر عن إرادته. اللوغوس يدخل في كل الصور، ينقّي الكل، ويسبب برجوع الكل إلى الأب. والأب يفتح صدره للكل، لكن الكل للأب هو معرفة اللوغوس. فمَن أطاع الإبن فقد أطاع الأب ومَن عصى الإبن فقد عصى الأب. فبواسطة الإبن الدهر يتم له معرفة الأب والبحث يستقر في ذات الأب.
وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أبناء الظلمة كونهم ألّهوا ظل صورة الإبن كرهاً لحقيقة الأب الذي لا إله غيره، وبما أنهم جهلوا الأب منذ البدء عجزوا عن رؤية الإبن الحقيقي وعن مشافهة السعادة والقوّة المقترنة بحضور الأب في الإبن، وتوقّفوا لغلبة عنصر الكذب عليهم عند ظواهر تقديراتهم للدور الذي مثّله الإبن في قصّتهم التي نصّبوا فيها الوحش إلههم، فغرقوا في ترابية "المخلّص" وانشغلوا بها عن نورانية الأب، وتصوّروا أن الأب يقبع في عالم آخر ضعيف لا حول ولا قوّة له في عالم الأثير، قد صُلِبَ حكمه على الأرض باستضعاف ابنه، ولما كشف الأب للعالم عن نفسه بنفسه ساعة فجر الظهور الأكبر طاشت عقولهم وأنكروا وقالوا قول إبليس القديم "إنه لبشر مثلنا." ولازموا ساعة الكشف الدور الذي لم يعرفوا في صورة الإبن سواه فكشفوا لقصر أفهامهم عن شخصية المسيح الدجّال باذلين أرواحهم خدمة لإبليس والشيطان، ولم يدروا أن المسيح الإبن قد ناداه الأب بعد أن ملأ فراغ ما هو ليس كامل في عقولهم عن حقيقتهم، فعاد إلى مكانه في الأب متجرّداً من قيود الصور، إذ أن الميعاد عاد ليقول "قد أتى ختام دار الأوهام" فلم يكن يوماً لهم إمهال إلا نتيجة نسيان أبناء النور لأسمائهم وأماكنهم في الأب، وأنّى للنسيان أن يستمر في حكمهم بعد أن عاد ولُفِظ ذلك الإسم في أسماع قلوبهم. فليس لذوات الصور كيان عندما تذوي في ذات الوحدة، وقد مُحِقَت أنوارها، وتشتّت معاني الظلمة في مجاهل النسيان كما تتبدّد الأحلام عند اليقظة وطلوع الفجر. فعندها يقوم أبناء النور قيامة قوّة مكتملة منقطعة النظير، إذ أنهم لم يتعلّقوا يوماً بالصور ولم يشغلهم في صورة الإبن إلا صوت الأب، فكان الإبن اللسان الذي يربطهم أبداً بفم الأب، فقد كانوا في فكره كلمات قبل نطقها.
أما بشأن مصير أبناء الظلمة: هم كأطباق متصدّعة يرميها صاحبها عند انتقاله إلى منزل جديد وتزيد فرحته بالأطباق السليمة لأنها تحمل ذكريات تجربة البيت العتيق. فهذا هو الحكم الذي أتى من العالي والذي حكَمَ على بني البشر، سيف ذو حَدّين عندما يُشهَر لن يعُد مجرّد صوت أحرف في كلمة، بل جسد يهز ظهوره أواني البيت، فبعضها يمتلىء وبعضها يفرغ. والأمكنة ترتج وترتجف ويُفتَضَح الخطأ فيها فيحتار عندئذٍ من ليس لهم مكان في فكر الأب إلى أين المفر وماذا العمل، إن نفوسهم الضيّقة لفي مأزق كبير بعد حصرها وإنكارها، فأنى لهم أن يجدوا لذواتهم مأوى في الصور وقد مُحِقَت أنوارها وذوت معانيها بالوحدة فباتوا خارج أنفسهم، كالعدم فارغين من كيانهم، أرواح أزعجت هياكلها.
هذا هو كشف الأب ونبؤته للدهر. قد أظهر ذاته الخفية في قوالب الصور المرئية تأنيساً لخلقه فكانت الأزمنة والأمكنة، وتنزّه الأب عن الشرح فكان اللوغوس لسانه، وكون أبناء الظلمة ليس خارج الأب ولا خارج نطاق قانونه (اللوغوس) لا يبرّر جهلهم له، لأن جهلهم ينعكس على شروط بقائهم ولا ينتقص من وجود الأب شيءً،
جهلهم قديم قِدَم اعتراضهم على حُكم قد كان قبل دورة الزمان والمكان، فطلبوا الإمكان لإثبات ما هو ممتنع أصلاً (أي طلبوا أن يوجدوا لتثبيت اعتراضهم على طبيعة الوجود ودخلوا عالم الخلق لتثبيت اعتراضهم على إبداع الخالق) فأتى لهم ما طلبوا وكلّمهم الأب في دهر إمهالهم بأشخاص أبناء النور حجّة منهم عليهم، إذ أن في تكريس اعتراضهم على حكمة الخلق في الزمان والمكان نار مستديمة لهم، وامتداد الشر قد لا يغيّر من طبيعة الشر ولكنه حتماً يولّد عذاباً أكبر لا شفيع لهم فيه إلا بمعرفة مَن هم أبناء النور وما احتوت عليه لحظة قيامة أبناء النور من حكمة تذكّرهم بما حكموا به على أنفسهم بأنفسهم لئلا يمحقهم النسيان خارج نطاق الوجود، فلا يرويهم في القيامة سوى الشرب من الكأس الذي مزجوه في مزجتهم الأولى، وهذه هي رحمة الأب عليهم قد امتدّت لتحقّق إثبات ما جهلوا بواسطة مَن هم مكتفين أصلاً، أبناء النور الذين لم يخوضوا رحلة التضحية ويتعذّبوا بأجسادهم مكوثاً إلى جانب قبور الأموات إلا تلبية لإرادة الأب بأن يزور حتى الأحلام البعيدة ويؤانس حتى ظلمة منتهى الأوهام فيُنادى هؤلاء ساعة تمام اليأس: أوجدتم ما كنتم به توعَدون حقاً.
فيا لهم من آيات للعذاب جعل الأب من تصوّر ظلمتها بصيص طريق عودة لمحبّيه منه إليه، فهم مُغَيّبون عن المعنى الذي يشاركوا في تجسيده ساهون عن حقيقة الوجود في الأب لاهون عنه بمَن هم ليس فيه، مجادلين لحكمته وهي التي أوضحت لهم شروط الجدل منذ البداية.
ولا نقول أن لا وجود لهم، بل نقول أنهم كحدث ممتنع حدوثه أبداً. فكونهم لم يروا وجه الأب، فهم يجسّدوا الرعب والجهل والوهم الذي تصوّره فكر العدم في اللحظة التي احتجب فيها وجه الأب عن عين الوجود، فظهرت ما احتوت عليه تلك النظرة من قسمة وتنافر في عالم الزمان والمكان بأشخاصهم وبمحض إرادتهم، إذ أن تمام العدل اقتضى أن يُمنَح المُصَوّر في الفكر شيئاُ من طبيعة المتصوِر كما تبعث الحرارة شيئاً من الدفء على الأشياء المحيطة بها. فقَدَرهم كشخصيات أُخضعت للنوم السريع لتجد نفسها ضحية أحلام مضطربة: إما يتلقوا ضربات من مجهول أو يضربون المجهول، إما يقعون من أماكن شاهقة، أو يتطايرون في الهواء من دون أجنحة، في أوقات هم وكأنهم متأكدون أن ثمّة أناس يحاولون قتلهم على الرغم من أن لا أحداً يلاحقهم، وأحياناً أخرى يجدون أنفسهم يلطّخون أيديهم بدماء مَن حولهم.
أما أبناء النور يلحقهم شيء من هذه الأوهام ولكن كما يتأثر الناظر بالمشهد، و كحالم يستيقظ في الحلم ليعي أنه يحلم، وبمعرفته هذه يتبدّد الخوف ويمتلك السيطرة على مجريات الحلم فيهرول مستيقظاً إلى حيث ينتظره واقع أفضل.
قد ظهر لهم الأب، ولكن العالم المادي لم يعرفه لأنه أتى على شبه آدم. هو الراعي الذي ترك وراءه التسعة وتسعين وذهب يبحث عن الخروف الضائع. وفرح فرحاً كبيراً عندما وجده، لأن التسعة والتسعين هو رقم اليد اليسرى التي تحمله. واللحظة التي يجد فيها الواحد، ينتقل كل الرقم إلى اليد اليُمنى. لذا إنها معه هو الذي ينقصه الواحد، أي، اليد اليمنى بأكملها ستجذِب ذلك الذي في المكوث فيه تبقى مفتقدة، تمسكه من الجهة اليسرى وتحوّله إلى الجهة اليمنى. وبهذا، الرقم يصبح مئة. وهذا الرقم يرمز إلى سر الأب.
قد عمل جاهداً من أجل خروفه الذي وجده على وشك الوقوع في الحفرة. فأنقذ حياته، ورفعه عالياً من تلك الحفرة لكي يتحقّق للعالم أن يفهم معنى ذلك اليوم الأبدي، من أجلكم أنتم مَن تمتلكون المعرفة الكاملة. انه ليوم تعاظم عن مناسمة الأيام، من غير المناسب فيه أن يكون معنى الخلاص غريباً عنكم فارغاً من مضمونكم، لكي يتسنّى لكم أن تتكلّموا عن ذلك اليوم الملائكي الذي لا ليل فيه وعن شمسه التي لا تغيب. قولوا إذاً في قلوبكم أن ذلك النهار الكامل هو أنتم وأن في داخلكم يشع نور ذلك النهار الذي لا ينقطع.
حوّلوا انتباهكم إذاً إلى أنفسكم، ولا تنشغلوا بالأمور الأخرى، وبالتحديد ذلك الحلم الذي انبعث منكم والذي امتلكتم قوّة صرف النظر عنه. فأنتم مَن يجلبوا شخصياته وأحداثه إلى ساحتكم، لا تعودوا إليهم فأنتم قد سبق ولفظتموهم بعيداً ولا تسمحوا بأن تكونوا موطناً لسيدهم لأنكم قد دمّرتموه. ابحثوا عن سعادتكم وعندما يكتمل بحثكم ستكتشفوا أن لم يكن لهم وجود قط. لا توقّوا المحنة في آخر الفترة ولا تنفثوا الروح في آخر ما تبقى لديكم من تجارب في دار الأوهام، لأنه خطأ تُحاسَبوا عليه بارتداد نوم الدجّال عليكم. فخطأ أن تحسبوه شيئاً مَن هو فاقد للشيء، فهو يؤذي نفسه أكثر ممّا يؤذيكم. ولكن ابن النور معذور، كونه رجل حق يأبى إلا أن يفعل فعله وسط الجميع: أحياناً يظن الإنسان نفسه يملأ فراغاً وهو لا يملأ سوى فجوة نفسه، لذلك عليكم بمعرفة كيفية التماشي مع السعادة للتوحّد مع قوّة الإرادة. فالنظام الكوني لا يُصَدّق إلا بكم والإثبات لا يتحقّق إلا بملاقات الذات بالذوات.
لأن الأب رحيم وإرادته خيّرة. يعلم الأشياء التي لكم والتي ليس لكم لكي تريحوا أنفسكم وتستقرّوا فيه. فإرادة الأب هي علامة وجوده، وهي المكان الذي يستقر فيه معنى وجودكم، ويجب أن تعرفوا إذاً أن لا أحد يعرف إرادة الأب قبل حدوثها، ومحاولة الإحاطة بها هو فعل تهتز له صورة وجودكم، فالسعادة مناظر، والإرادة هي الإطار المحيط بها، ركّزوا على المناظر لأن زمن الإحاطة قد ولّى ولماضيه انتسب. ما يريده الأب يحصل لحظة ما يريده حتى ولو لم يعجب المنظر أحد. فالأب أدرى ببداياتنا ونهاياتنا وإلى ما تصبو إليه انفسنا وعندما تدق الساعة سنراه يكلّم كلّ واحد منّا وجهاً لوجه.
الأب عرف شذاه، وشذاه يفوح في كل مكان، وحتى لو امتزج بمادة الأرض وركد في سقعة التراب، عندما تظهر الشمس يطلق نفسه مجدّداً للضوء فيعود لينتشر ويبث الدفء في كل مكان، لأن ليس بالأنف يُشَم ذلك الشذا، بل هي الروح التي تملك حاسّة الشم فتجذب الشذا إليها وتغوص فيه، فهي حتماً المكان له وهو حتماً المكان لها وهو الذي يأخذها إلى حيث موطنها الأصلي.
هذا هو الكمال في فكر الأب وهذه كلمات تأمّلاته. كل كلمة من كلماته هو فعل من أفعال إرادته. ونحن كنّا أفكاراً في ذهن الأب قبل تجسّدنا، كلمات في أعماق فكر الأب، أظهرها اللوغوس، اصدار الأب الأول، فكان اللوغوس آدم الإبداع وإرادة إحداث الحدث عند وجوبه، فتنزّه الأب عن الحَدَث والإحداث بأمره اللوغوس وانعكست طبيعة اللوغوس في ذلك الجزء الصامت صمت الفكر في تأمّلاتنا.
هذا حكم الأب، فقد وهبه الأب لإبنه لحظة انبعاثه منه، وضع فيه سر الإسم، ومع أنهم يستطيعون مشاهدة الإبن، لا وصول لهم إلى معرفة ذلك السر، لأن فيه يكمن غموض لحظة الإبداع وكل خفيّ على وشك الظهور إلى الأعيُن والأسماع.
مَن هو إذاً الذي استطاع لفظ ذلك الإسم العظيم، سوى وحده الذي يملك الإسم. وأبناء الإسم بداخلهم يستقر إسم الأب ويستقرّون هم بدورهم في داخل الإسم، لأن الأب لا بداية له.
هو وحده مَن أراد ذلك الإسم لذاته قبل خلق الدَهر، ليتربّع اسمه فوق كل عرش ويحكم على كل حاكم، لأن اسمه لم يُقتَبَس من قاموس الأسماء، أو سمّيَ كما تُسمّى باقي الأسماء. هو أعطى الإسم لذاته بذاته، لأنه وحده مَن رأى الإسم قبل أن يُلفَظ، وهو وحده مَن يملك قدرة إطلاق إسم على ذاته. لأن مَن ليس له إسم ليس له وجود، فأي إسم يطلقه المرء على العدم المفقود. فساعة ينادى ذلك الإسم هي ساعة القيامة التي لا يُدرِك سرّها إلا الأب.
إذاً لنتوقّف ونفكّر بهذه النقطة فتفكيرنا بها يفوق كلّ الأولويات أهمية: ما هو إسم الأسماء ومعنى المعاني ورب المُسَمّى والإسم؟
هو الإسم الحقيقي، هو حتماً الإسم الذي اتى من الأب، لأنه وحده يملكه. لم يأخذ الإسم استعارة كما تطلق الأسماء على الأشياء والأشخاص نسبة للشكل الذي سيتم إبداعها به. بل إنه الإسم الذي يحكم لحظة إبداع الأشكال والأسماء، بقي غير ملفوظ حتى أتى وعرّف عنه هو بذاته، وهو وحده مَن استطاع رؤية الإسم قبل أن يُلفَظ.
أما بشأن ابنه اللوغوس فقد دعى إلى معنى ذلك الإسم إلى أن عُرفَ الإسم فتمّ التمام وانقطع الكلام ومُحِقَت الدهور والأزمان، فكل امرء بعد هذا يتكلّم من منطلق المكان الذي أتى منه منذ القِدَم وسيهرول مسرعاً للرجوع إليه. فقد وضع الأب حدوداً منذ البدء وتجسّد كل حدّ آخذاً مكانه في الأب، فتلك الأمكنة التي إليها تمتدّ افكاركم اليوم هي جذوركم التي شهقت بكم منذ البدء عالياً في مرتفعات الأب حتى وصولكم إلى رأسه وهو مستقرّكم بعد عناء طويل، وستبقوا فيه لكي يتسنّى لكم أن تشارِكوا في تعابير وجهه.
وكأن النهاية قد سبقت البداية وكأنكم لم تتجسّدوا يوماً، لأنكم لم ترتضوا لأنفسكم أماكن أعلى من أماكنكم التي منحها إياكم الأب، ولا حُرِمتم يوماً من مجد الأب، ولا غيّبتموه من أفكاركم، ولا اسأتم الظن بقوّة بطشه، أو يئستم من حنان رحمته... فأنتم مَن يملك جذوة من عظمته اللامحدودة، ليس لكم اعتراض في الحق أو شكوى. استرحتم فيه أبداً هو المستريح من دون إتعاب أنفسكم أو إلزامها بتكاليف البحث عنه لأنه فيكم وأنتم فيه، غير منفصلين عن كماله. لا ينقصكم أي شيء من أي ناحية. فهلّلوا لأن هذا هو مكان الذين رضي عنهم الأب.
أما الباقي، فقد طالت وتعقّدت محاولتهم اليائسة لإقناعنا المكوث في أماكنهم، فاستحقّوا أن يعرفوا ويتحقّقوا بأعينهم، فاليعرفوا إذاً أن أماكنهم لا تناسبنا، ولا نرتضيها لأنفسنا، وكيف لنا أن نرضى بها بعد أن كنا في ذلك المكان؟