الصحيفة الثانية للعظيم "شئت"

 

(مقدّمة)

 

الحديث القدسي:

"كنت كنزاً مخفياً، لا أُعرَف، أردتُ أن اُعرَف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني" (الحكمة القديمة)

خلق الله آدم على صورته وقال له أقبل وأدبر: مَن أطاعك فقد أطاعني ومَن عصاك فقد عصاني.
 

شهادة العقل:

بما أنّ "المعقولات لا تُعرَف على ما هي إلا بالمحسوسات"، ولمّا كان الخلق "مولودين جهّالاً لا يعرفون إلا بموقوف ومعروف..."، "أوجبت الحكمة الإلهية ظهور الصورة تأنيساً وتقريباً للأفهام..." لأن الصورة لا تقبل إلا من صورة.

____________________________

حَمَلة العرش:

وبما أن عقل الإنسان لا يمكنه تصوّر ما ليس له صورة، أوجَبَت الحكمة ظهور المعاني الروحية (مهما بلغت درجة علوّها) في قوالب الصور المرئية. فكل المعاني التي ورد ذكرها في الفلسفات والأديان والقصص والأساطير مطبوعة في الذاكرة الآدمية بموجب أحداث شهدها الإنسان هنا على الأرض وليس في عالم أثيري، ولهذا اعتبر حكماء كأفلاطون العلم تذكّر والجهل نسيان، ولفت نظر تاريخ الإنسان العاصي والناسي للقارّة المفقودة أتلانتس والتجربة القديمة للإنسانية.

"لا عين يمكنها أن تقول انها لم ترى كفاية..." هكذا وضع الفكرة أحد الأنبياء.

وعيناك أنت غير مستثناة: فأنت لم تتوقّف يوماً عن كيانك كـ شاهِد لأحداث أنت بنفسك شاركت في صنعها هنا على الأرض بروحك الخالدة في أجسامك المتبدّلة خَلقاً بعد خلق.

صدّق أو لا تصدّق، حتى هبوط آدم من الجنّة لا يرمز إلى حدث أكبر من "عين الشاهد"، بل إلى عجائب وغرائب البدعة الأولى التي شهِدتها انت والتي اتّصلت معاني أحداثها بعالمك هذا، وهي مسؤلة اليوم عمّا ترى ولا ترى. وأنت بنفسك، لو لم تكن لتشهد "هبوط آدم من الجنة" في العالم الصوري، لكان عقلك توقّف عن التصوّر لحظة التفكير بهكذا فكرة.

وما سنقدّمه لك مترجَماً إلى العربية شهادة النبي "شئت" حول أحداث الإبداع الأول - أحداث  حدثت على الأرض، ولأهميتها، هي مسؤولة عن العالم كما يتبدّى لنظرك اليوم.

صدّق أو لا تُصَدّق، لم يخلو يوماً زمان أو مكان من الحرب الخفيّة المزمنة التي دارت بين أبناء النور وأبناء الظلمة. لكن هذه الحقيقة مخفيّة عنك، مخفيّة ليس لأنها لم تحدث على الأرض أو أنك وُلِدت بعد حدوثها، بل لأن بني البشر قد تقطّعت بهم سُبًل الاتّصال بالحكمة القديمة وميامن بركاتها.

والفاصل بين الإنسان اليوم وتلك الأحداث السماوية، ليس السموات أو الغيوم، بل غطاء مُحاك بأفعال متراكمة فوقها أفعال قام بها الإنسان محكومة بالجهل والنسيان، وأنت بنفسك كنت جزاً منها.

"وكشفنا عنك الغطاء، فبصرك اليوم حديد..." هكذا يجسَد أحد الأنبياء فكرة هجر الوعي للنظرة الموهومة للواقع ومسافرته إلى حيث رؤيا الواقع الحقيقي.

"أنظر إلى العالم من حولك كما يبدو أمامك اليوم، هل ما تراه من مشاهِد عنف وكره وظلم من فعل الأشباح؟ أو أن ما تراه قد فُرِضَ على نظرك من قِبَل جهات غير محسوسة؟ أليس كل ما تراه من صنع الإنسان؟

لَدى قراءتك شهادة "شئت" سوف تكتشف أن الملائكة التي طالما دوماً ظننت أنها أرواح مجرّدة أو مجنّحة في مكان ما من السماء كانت دوماً أشخاص مجسّدة على الأرض وهي ما زالت حتى الساعة تلعب دوراً إما في إبراز الحقيقة لنظرك أو حجبها عنك وإخضاع كيانك للمزيد من المعاناة والفوضى.

صدّق إذاً أن روح الإنسان هي شيء قديم قديم -  وتجربتها على الأرض قديمة قِدَم الزمان والمكان، وأن كلّ ما أنت عليه اليوم، كل ما تواجهه، هو محصول رحلة قديمة انطلقَت فيها بنفسك في عالم الزمان والمكان، إما لخدمة الوجود أو العَدَم، المعرفة أو الجهل، الخير أو الشر، أخوّة النور أو أبناء الظلمة.

جلّ ما يمكنك فعله في هذه المرحلة المتأخّرة من رحلة تطوّرات الأزمان والعصور هو الوقوف بموقف الشاهِد في محاولة لمناشدة تلك الذاكرة المقدّسة والاقتراب من تلك النقطة التي انطلقتَ منها باحثاً منذ الأزل، وإذا كنت من أبناء الواحد، ما ستراه ساعة قَدَرك في كل الأشياء والأحداث هي صورة "لفم واحد يسبّح ذاته ولعين واحدة تنظر منه إليه" هكذا وصفها أنبياء الحكمة القديمة –  فعليك بتلك الصورة لأنها وحدها هي التي ستوصلك إلى مجالي الحق والحقيقة.

وإذا كنت ممّن لا يزالوا غائبين عن هذه الحقيقة، فـ "تيقظ قبل ظهور الصورة لأن كلّ عبادة عند ظهورها مجبورة."، وصلّي لكي تأتنس بما ستقع عليه عيناك، لأنك إن لم تعرف موطن محبة الأنس "قلب آدم" لن تأتنس بما ستراه.  

ما كان يا ترى موقفك تجاه حكماء كـ "آدم الصفاء" و"إخنوخ الوفاء" و "شئت"؟ ما هو يا ترى موقفك اليوم تجاه ما نطرحه أمامك؟

كلّ ما بوسعنا أن نقوله لك هو: "صلّي لكي يبقيك حكماء مثلّث العظمة والحكمة والرحمة في أفكارهم، لأن مملكة الرب لم تكن يوماً مملكة فوضى تحكمها رغبة الإنسان العشوائية لطلب معرفة الرب في المجهول، بل مملكة عقل يتربّع على عرش ظهورها حكماء متالّهون ستقرأ عنهم في رسالة شئت المتَرجَمة إلى العربية. مملكة يحكمها نظام عقلي- صوري مرتبط بالمعاني التي لا يمكن للعقل أن يطالها لولا تجسّدها بأخوّة النور وبأعمالهم على الأرض، ومن غير معرفة هذا النظام لا يمكن للعقل البشري معرفة حقيقة الحقائق ومعنى المعاني: الرب..." فبدون حدود الصور المرئية لا يمكن للفكر أن يتصوّر اللامحدود، فكيف له إذاً أن يعرف أو يتصوّر عظمة الرب بدون دلائل الوجود؟ كلا بل انه يتوهّم العَدَم المفقود، "وهل يستوي الأعمى والبصير؟"

____________________________

ترجمة لمخطوطات البحر الميّت إلى العربية - تحتوي هذه الترجمة على بعض التوضيحات المرتكزة على نصوص عربية أصلية لصحائف "شئت" (شرخ)  - إعداد وترجمة: قسم الترجمة في مطبوعة آدم
 
تُرجمها إلى الإنغليزية: روجير أ. بولارد (و) جوزيف أ. جيبونز
 
"الصحيفة الثانية للـ عظيم "شئت" (الجزء الأوّل)

"من أسرار التكوين ومعجزات البدء والختام" (الحكمة القديمة)

"الكلمة التي أطلق عليها (شطنيل الحكيم - آدم الصفاء - العقل الكلّي) إسم شئت"

عرش المملكة الروحانية (آدم، إخنوخ وشئت) - (العقل الكلّي، النفس الكلّية والكلمة)

آدم  الصفاء: نسبة إلى أولى تقمّصات الـ "العقل الكلّي")المسيح) في الدهر، وإسم من أسماء العقل الكلّي في تقمّص ثاني له في زمن إخنوخ وشئت. يُعرَف أيضاً بالـ إرادة أو قلم القدرة.

اخنوخ الوفاء: تقمّص من تقمّصات "النفس الكلّية" (حواء - صوفيا - هرمس الهرامسة). يُعرَف أيضاً بالـ مشيئة أو لوح النفس.

شئت: تقمّص من تقمّصات "الكلمة" أو "مرآة الهيولى"، أي صلة الوصل بين مملكة العالم الروحاني (أي العقل الكلّي والنفس الكلّية) ومملكة العالم الجسماني - أي موطن تجلّي الروح في الصورة الآدمية، كما يتجلّى الذهني في الخارجي عبر الكلمة.

"جميعكم مَن يتوجّه إلي، أنا الكامل، بسبب "الكلمة"، لأنني أوجَد مع كلّية العظمة المقترنة بـ الروح -  العقل الذي هو صديق لنا ولذرّيتنا بالتساوي، بما أنني تقدّمت بكلمة لنصرة الأب بواسطة خيره، كما تقدّمت بفكرة أزلية، وهي الكلمة في داخلكم..."

"لندعو لجمعة سويّة. لنزور إبداعه ذلك. لنبعث أحداً في ذلك الإبداع."

وقلت هذه الأشياء للـ "العدة السعيدة" بأكملها. ومنزل أب الحقيقة (العقل) كلّه اغتبط لكوني أنتمي إليه. وأصدرتُ فكراً بشأن الـ "جذوات" (أبناء النور) التي انبثقت من الروح الطاهرة، وبشأن الهبوط إلى "الماء" الذي هو العوالم في الأسفل. والحضرة بأجمعها كان لها قرار موحّد، كونها منبثقة من الواحد، فأيّدتني بما أنني شئت" ذلك. فأتيت لأكشف عظمة الأب لأخوتي في الروح ولذرّيتي..."

أنه "شئت" مَن مشيئة إرادة الوجود، الكلمة التي انطبعت بقلم القدرة على لوح النفس الكلّية –  قوّة انطباع المعاني الروحية في قوالب الأشكال المرئية  واضعةً حدوداً لظلمة الأثير اللامتناهية.

العوالم في الأسفل: إشارة لطبيعة الحدود  الروحية التي تفصل بين الجنّة والأرض والتي ظهرت مكشوفة اكثر في العوالم القديمة، حدود محكومة بمعرفة راقية بإرادة التحكّم بالفكر وما يصدر عنه من تكثّفات تنعكس مباشرة على العالم المادي. فلم تفصل بين أبناء النور وأبناء الظلمة مساحات من الأزمنة والأمكنة على قدر ما فصلت بينهم لغة تواصل روحية تحكم محيط الإنسان المادي والمعنوي...

"أَعطَيتُ قالباً للهياكل الجسدية. فاضطرب شمل الأبالسة بأجمعه. واهتزّت مادة الأبالسة وقوى الأرض المكتَسَبة عند رؤيتها الصورة، بما أنها كانت ممزوجة بالروح، وأنا كنت فيها، لا أشبه مَن كان فيها أولاً، لأنه كان رجلاً من الأراضين، وأنا أتيت من السموات. ولم أمنع عنهم (أي قوم الأراضين) أي شيء حتّى تمثّلي أمامهم بالمسيح، ولكنني لم أكشف لهم عن الحب الذي كان ينبعث منّي، وظهرتُ لهم كغريب عن العوالم في الأسفل..."

ظهور الصورة الآدمية في قوالب المادة السفلية: أبناء إلظلمة سبقوا أبناء النور في التعرّف على الرجل الأرضي (الامتزاج بقوى الأرض المكتسبة (الضدية الأقدم التي تمثّل الثقل المادي الكثيف المقاوِم لصور الحياة):

وقوفي أمامهم بموقف المسيح (آدم): نسبة لما ورد في الحكمة القديمة عن حواء وآدم والجنة والتفاحة: الثمن الذي دفعه أخنوخ وشرخ (أي شئت) عندما طغاهما الهبّال (أي الشيطان) لأخذ دور "آدم" في غيابه... وهي خطيئة غير مفهومنا للخطيئة، بل هي حكمة تمثلت بظهور الروح (آدم أو العقل الكلّي) في عالم النفس (حواء أو الكون) عبر الكلمة (قالب الصورة الآدمية) من أجل تجسيد قوّة الروح وتحقّق المعرفة للأعين الشحمية.

."وحدث اضطراب عظيم في منطقة الأرض بأكملها، مقترَن بحيرة وسفر، كما انعكس  ذلك على خطة الأبالسة. البعض اقتنعوا عندما شاهدوا الغرائب التي أقدمتُ بها. وكلّ مَن اقتنع، بالإضافة إلى القوم الذي انسفل قد سافر منه (العقل الكلّي) إلذي بدوره سافر من ملكوت العرش إليها "صوفيا" (النفس الكلّية)، بما أنها كانت قد أصدَرَت مسبقاً إشارة عن وضعي ووضع كلّ مَن هو مَعي."

إبداع الخلق: سفر في الوعي (في تسلسل معنوي وليس زمني) من عالم الروح (المستقر الأقصى أو العقل) إلى عالم الزمان والمكان (عالم النفس والإبداع) لتصوير ما يكمن في باطن المخلوق، ومن ثمّ انطباع الصور العقلية في قوالب الشمع المادية ((أي عالم الكلمة وظهور الصورة الآدمية في الزمان والمكان) لتجسيد ما يكمن في باطن الإمكان من نور وظلمة، معرفة وجهل، خير وشر.

غرائب وعجائب الهيولى الأولى (الروح) تظهر عبر مرآتها (الكلمة) على صفحات التشكيل والتمثيل.

تشخّص العقل (المُبدَع الأول أو الروح) عند خَلْق النفس في الصورة الآدمية بقوّة (الكلمة) أمّن الاستقرار لجذوات النور بـ "الحدود" من ظلمة العَدَم اللامحدود، وحجّم قوى (الضد الروحاني) بأشكال جسدية تتحكّم فيها قوّة الكلمة ("شئت" بمشيئة الإرادة).

أبناء الرجال الذين لم يعرفوه (العقل الكلّي) سافروا منه أيضاً، ولكن كما لو كان موطن انطلاقهم "المتآمر الكوني" (الضد الروحاني)، حيث أنهم حملوا معهم عند تجسّدهم كلّ أنواع النقمة علي. فقد كان لعقلهم سَفَر أيضاً حول ما سيقرّرونه بشأني، اعتقاداً منهم أن "صوفيا" (النفس الكلّية) هي العظمة كلّها، فشهدوا شهادة زور ضد العقل وضد "العدة السعيدة" بأكملها."

"لم يكن بإمكانهم معرفة مَن هو "العقل الكلّي"، "أب الحقيقة"، رجل العظمة. هم مَن تلقّوا "الإسم" بسبب اتّصالهم بالـ الجهل، كونهم جَبلوا جسد الرجل الأرضي لتدميرآدم - الجسد الذي صنعوه لتغطية مَن هم بالنسبة إليهم كأبناء النور بالنسبة لآدم. لكنهم، أولئك الأبالسة، مَن ينتموا لذلك المكان "يالدابوث" كشفوا النقاب عن عالم الملائكة الذي كان الخلق مغشوشاً به، يتطلّع إليه عالياً وهو سبب جهل الإنسان لآدم. لأن جسد الرجل الأرضي الذي جبلوه، ظهرت فيه الروح، فهزّت كيانهم حركة خوف ممّا قد يُحدِثه هذا الظهور من تمرّد عليهم من قِبَل الملائكة المحيطين بهم."

العقل الكلّي  (علّة العلل والخلق أجمعين)

سَفَرَ عقول الظلمات من "العقل الكلّي"ً، ولكن كما وكأنهم سافروا من "الضد الروحاني"، وذلك لجهلهم لحقيقة اختيار الله لـ آدم كموضع لسرّه ووسيلة لإرجاع الأشياء إليه (أي جهلهم لحقيقة سفر الروح إلى "صوفيا" النفس الكلّية (أي تجسّد العقل الكلّي كإنسان في عالم الزمان والمكان)، والذي ظهر بنقمتهم على "شئت" (أي ظهور حركة الروح في الرجل الأرضي).

"فعندها أتى  صوت "المتآمر الكوني" (إلضد الروحاني) لأسماع الملائكة: "أنا إلإله ولا أحد سوائي.."، فضحكتُ من أعماقي عندما تفحّصتُ مجده الفارغ. لكنّه تابع قائلاً: "مَن هو الإنسان؟"  وجميع ضيوفه من الملائكة الذين كانوا قد رؤا آدم وموطنه سخروا من صغر حجم آدم. وهكذا أُزعجت ارواحهم من قداسة السماوات، لأن رجل الحقيقة الذي شاهدوه في هيكله صغيراً لصغر جذوة النور في هيكلهم، كان سبب مرضهم الذي ظهرت أعراضه بسخريتهم..."

"رفض ابليس السجود لآدم...واعتراض الملائكة على صغر حجم آدم..."، عدم تصديقهم أن قوّة الـ لوغوس أو إرادة الله اختارت الصورة الآدمية (أي الرجل الأرضي) كموطن لسر ظهورها...

سخرية الملائكة من الحقيقة الآدمية ومن اختيار الله للرجل الأرضي كوسيلة لإظهار سرّه دفعهم لرفض أنفسهم وقطع صلة الوصل بينهم وبين أرواح الحياة، وتمثّل هذا القطع بأفعالهم الرذيلة تجاه "شئت".

"وهكذا استراحت عظمة "أبوة الروح" بأكملها في الأماكن التي منحها إياها آدم، وأنا  مَن كان معه، كوني أحمل "جذوة" من ذلك الإشعاع الأحدي المنبثق من الذي لا يُدنّس ولا يُقاس ولا سبيل للإحاطة بمعناه. فخلعتُ شكلي على العالم، وأخفت حشد الملائكة ورئيسهم. لم يعرفوا أنني كنت أزورهم في كل الأشكال حتى في النار والدخان، وأنّ أشكالهم وكل ما يُنتَسَب لهم من معنى نتج بسببي. وبرَزَت قوّتان أحاطتا "المتآمر الكوني" من الجهتَيْن قائلةً: "لنمسك به..." "خطته حتماً لن تتجسّد..."

استقرار الوعي الآدمي في عالم الزمان والمكان وانطلاق التجربة الآدمية لتحقيق إرادة الخالق من الإمكان.

"شئت" وقوّة الكلمة (قالب الصور المرئية): صلة الوصل بين عالم الروح وعالم المادة.

انطباع صورة هذه الصلة في الزمان والمكان ثثمثّل ببروز القوّتين الجناحين للعقل والنفس.

انطلاقة التجربة الأرضية  المقترنة بالوعي الآدمي المحكوم بحدود هاتين القوّتين أي بثنائية الوجود الآدمي (انقسام الوجود للواجب والممكن، للذهني والخارجي).

 "فأنا كنت في فم الأسود. والخطة التي نصبوها لأجلي أظهَرَت خطأهم وانعدام بصيرتهم -  ولم أكن لأرضخ لها كما ظنّوا أو أتأثّر مطلقاً لكون مَن كان هناك منهم ظنّ أنه عاقبني. فأنا لم أمُت في الحقيقة إنما تبدّى لهم ذلك. فانتزعتُ العيب عنّي بمواجهة ما حصل لي على أيديهم بشجاعة. اقتربتُ من الخضوع للـ خوف والمعاناة وفقاً لما ترائى لنظرهم وفكرهم، لكي لا يجدوا أي كلمة يدافعوا بها عن أنفسهم، لأن  بظنّهم أن الموت حصل لي، تحقّق الموت الحقيقي لهم، وجهلهم لهذه الحقيقة هو عين عمى بصيرتهم عنّي. لأن "بذرة أعماقهم" أُخمِدَت ولم تراني، فباتوا عديمي السمع والبصر. فبأفعالهم هذه، أدانوا أنفسهم. نعم شاهدوني، وعاقبوني ظاهرياً، لكن لم يعلموا أن أباهم هو مَن استعرّ غضباً وشرب نقيع الخل، وليس أنا. ضربوني بالقصبة، ولكنني كنت اغتبط في العلاء فوق كل ممتلكات الأبالسة ونسل خطيئتهم ومجدهم الفارغ. وكنت أضحك لجهلهم..."

عادوا "شئت" فعادوا أشكال النور في الوجود فماتت جذوة النور في أعماقهم فشكّل موتها صورة للعَدَم.

هو الكلمة شمع قالب الصور الذي يجعل حتى للموت شكل ومعنى، ولكنهم لم يعرفوه فظنّوا أنّهم قتلوه، ولم يعرفوا أنهم قتلوا معنى وجودهم بعقيدتهم هذه.

"وأخضعت كلّ جبروتهم. لأنني نزلت بينهم مجدّداً، ولم يرني أحد. فانا الشمع الذي يتحكّم بالأشكال متبدّلاً من شكل لشكل. ولذلك، عندما وقفتُ على بوّاباتهم، اتّخذت هيأتهم. مرّرتهم صامتاً ناظراً لمواقعهم، ولم أخف أو أخجل من وجودي بينهم، لأن لا شيء يدنّسني.

فأنا كنت قد كلّمتهم واندمجت بينهم مسبقاً، لأنني أتجلّى على وجوه مَن ينتسبون لي، ساحقاً مَن كان ظالماً تجاههم بحماس، مخمداً دخان الأبالسة. كنت أعمل كلّ هذه الأشياء بسبب شوقي لانجاز ما "شئت" بإرادة الأب في الأعلى..."

شوق "شئت" لإنجاز ما "شاء" دفعه لأتّخاذ لنفسه قميصاً جديدة بينهم.

"لا شيء يُدَنّسنه، فهو المعاني في الأشياء كلّها.

"وأبناء النور، المُختَزَنين في العوالم تحت، رُفِعوا إلى حيث أنا في كل تلك العصور- إلى الارتفاع الذي لم يرَه أحد أو يعرفه أحد، حيث عرس فستان العرس، الفستان الجديد وليس القديم أو ما يفنى. لأنها غرفة عرسان جديدة وكاملة في حجرات السموات، كما أفصحت، أنه يوجد ثلاثة طُرُق:

العقل: سر لا يُمَس في روح هذا الدهر الذي لا يُزهق ولا يُجَزّأ، ولا يُمكِن أن يُخَبّر عنه -  لا يتقّسّم، كوني، ودائم.

النفس: تلك التي أتت من العالي، ولن تتكلّم عن الخطأ الموجود هنا، أو تهتّز من مكانها في روح الدهر، لأنها ستُنقَل عندما تُحرّر وتُمنَح المنزلة في العالم، واقفةً أمام الأب خالية من أي قلق أو خوف، في امتزاج دائم بالقوّة والشكل.

الكلمة: وأبناء النور يروني من كلّ جانب بلا خوف، فكونهم يشاهدوني، فهم في أعيننا يُشاهَدون و بنا يُمتَزَجون. وبما أنهم لم يعرّضوني للخجل، فلَن يخجلوا، وبما أنهم لم يخافوا أمامي، سيمرّوا بكل بوّابة من دون خوف لأنهم بحماية العظمة الثالثة.

قوى العرش الروحاني ثلاثة: العقل الكلّي، النفس الكلّية والكلمة:

تنزّهت الروح (أي العقل) بالنفس عندما سافرت إليها فكان إبداع الكون أي عالم الزمان والمكان، وتنزّهت "صوفيا" (أي النفس) بالكلمة، فأخذت عهد على نفسها أن تلازم العقل وأن لا تتكلّم الى حين وقوفها أمام الحضرة منجزةً الوعد، وشاء شئت (أي الكلمة) أن يحقّق مشيئة النفس، فخلع شكله على الخلق فدبّت في الصورة الآدمية الحياة، وانطلق عالم الزمان والمكان..

"ان ارتقائي للارتفاع المكشوف هو ما لَم يتقبّله العالم، تعمّدي بالصورة المعروفة. فعند سفرهم من نار شمس القوى (العقل الكلّي) والقوى السبعة، أخَذَتهم الظلمة، فغدى العالم ضعيفاً  مكُبّلاً بقيود عديدة. فأطاحوا به إلى الشجرة، وثبّتوه بأربعة مسامير من نحاس. عندها حدث ارتجاجاً ضرب أرجاء الفوضى المتفشية بالأرض، والأرواح التي كانت نائمة في الأسفل انعتق سراحها فانطلقت بجسارة ملائمة لأهل الأرض كونها كانت قد بذلت طاعة دؤوبة بخدمة الجهل وقلّة المعرفة  في تجربتها بجانب قبور الموتى تحت.

لكن، كونه أوتي لها أن تعرف ذلك الواحد الذي انبثق من النور اللامتناهي، الأب الذي لا يحيط بمعرفته أحداً، لبسَت الإنسان الجديد. لا حاجة للكثير من الشرح، فجذوتنا كانت في جذوتهم، لذلك عرفوا ما تكلّمتُ عنه، فإننا عقدنا اجتماعاً سوية بشأن تدمير الأبالسة. وبذلك نفّذتُ إرادة الأب..."

إن ظهور اللامحدود بالحدود الآدمية (أي إبداع الخلق وظهور الحق على صورة آدم أمام الأعين الشحمية) هو ما اعترض عليه الضد الروحاني والملائكة لأنه حدّ من غموض العَدَم اللامتناهي فأوجد الصورة المرئية ليكشف قوّة الإبداع  وفراغ القوّة التي ارتكز عليها الملائكة العابطون من معنى الوجود.

فأُخضعوا الملائكة  لتأثير قوّة الإبداع بدليل تجسّدهم على أرض الوجود خلافاً لما أتوا ليثبتوا، فأصبح وجودهم على الأرض هو هو دليل فشل إثباتهم بأن للعَدَم قوّة.

كثير مِن الرمم (النائمين في تراب الأرض) استيقظوا  لدى انكشاف ضعف الملائكة إثر الحركة العنيفة التي قاوموا بها الخلق المادي.

أبناء النور عبر العصور، وشجاعة مَن استفاق منهم متأخّراً بعد مكوثه طويلاً بين القبور:

"أعرفكم ولا تعرفوني ولا تعرفون أنفسكم": ومَن لم يعرف الحدود ولا يوحّد المعبود فليلزَم الإنكار والجحود.

"بعد انبعاثنا من موطننا، وهبوطنا إلى هذا العالم في أجساد، كُرِهنا واضطُهدنا، ليس فقط على يد أولئك مَن هم جهلاء، بل أيضاً على يد هؤلاء من ظنّوا أنفسهم يُرَقّون الإسم لكونهم فارغين - غائبين عن حقيقة أنفسهم، كالحيوانات البلهاء. عَذّبوا مَن تحرّر على يدي، لبغضهم العميق له، ويل لهؤلاء الذين إذا ما توقّف لسان حالهم عن الكلام، سينوحون عبثاً من غير راحم لجهلهم لي، وخدمتهم للسيدين. أمّا أنتم مَن عرفتموني، ستحقّقوا النصر، في الحروب والمعارك، في أوقات الغضب والانقسام، ولكن باستقامة حبنا سنبقى بريئين وانقياء السرائر لكوننا نمتلك عقل الأب..."

حمَلوا الأمانة، وجحدوا بعد الإقرار.

السيدين: إبليس والشيطان

أبناء النور: أقوياء على اعدائهم رحماء فيما بينهم.

 "إنه لشيء يدعو للسخرية، وأنا مَن يشهد على ذلك، كون الأبالسة لا يعرفون أن اتّحاد، كالّذي يجمع بين أبناء النور، (والذي صنعوا تقليداً له كونهم أعلنوا عقيدة رجل ميّت وكذبوا لكي يقارنوا أنفسهم بالـ "العدّة السعيدة")، هو اتّحاد لا يُمَس لحقيقة لا تُدَنّس... وارتباطهم بتلك العقيدة يجمعهم بالخوف والعبودية، والاهتمامات الدنيوية، ويهجر بهم عن العبادة الحقيقية، لكونهم صغراء وجهلاء، ويفتقدون لنبل الحقيقة، ويكرهون هو الذي هم فيه، ويحبّون مَن ليس له أب ومَن هم ليس فيه. فإنهم لم يعرفوا علم العظمة، الذي آتي من الأعلى، من نبع الحقيقة، وليس من نير العبودية، الخوف، والتعلّق بالمادة السفلية. فأبناء النوريفتحون صدورهم لما هو لهم وليس لهم بشجاعة وحرّية. لا يتعلّقون بشيء، لأن قانون الأشياء يقبع في ذاتهم ويملكون السيطرة على ما يرغبون.

إبليس = أب - ليس

"لو عرفوا الله ما عبدوه ولو عرفوا إبليس ما لعنوه": السائلة طبائعهم بسيلان الحطام والآثام.

"أنتم لستم من هذا العالم"، وليس لإبليس عليكم سلطان ولا لجنوده لديكم مكان.

عودة إلى الصفحة الرئيسية