|
|
أخنوخ الأوان وسر الملائكة الهابطين
في القرون الأولى للمسيحية، أحاط آباء الكنيسة الأوائل »سفر أخنوخ« بهالة من الاحترام والتقدير، في البدء، كرّس أولئك الآباء جلّ اهتمامهم لمسألة الملاك الهابط المعروف في الكتاب المقدس بالشيطان، كما ودرسوا مسألة شخصية الملائكة الهابطين الآخرين وكيفية عملهم وطبيعة أرواحهم.
وانطلاقاً من اعتقادهم الراسخ بأن تلك الأرواح ليست مجرّدة بل مجسّدة في خلق البشر، غالباً ما استعان الآباء الأوائل بسفر أخنوخ لدعم مطلقية المقياس الذي يفصل بين أهل الخير وأهل الشر هنا والآن وعلى الأرض وليس في السماء.
فالملائكة والجن بمفهوم الحكمة القديمة هم أشخاص موجودون على الأرض وكانت لهم أدوار واضحة في صنع الأحداث في العالم القديم (عهد أتلانتس وعمورة)، وتسمية "الجن" مشتقة من "الجنون" وهي صفة أُطلِقت على قوم عاصروا دعوة آدم (العقل) لكنّهم جنواّ عن تعاليمه وأساءوا استعمال "الإرادة الحرّة"، فحُجّمت قواهم الروحية ولم يعد لهم التأثير الواضح على مجريات الأحداث في عصرنا هذا.
ولذلك وصفت الحكمة القديمة أعمال إبليس في هذا العصر بـ "الانسفال" و الـ "توهيم" نسبة لفقدانه السيطرة على الواقع الملموس واحتجاب قوّته وراء الخيال والأساطير وتدنّي أسلوب أتباعه بعد عصور السحر إلى سلاح العنف والتخويف المقنّع بألعاب الصبا (أي ما يُعرَف اليوم بحقل التطوّر التكنولوجي وهو من رواسب ذاكرة البشرية للتجربة الأتلانتية المتقدّمة) وألعاب المراهقة وهي ما تبقّى في ذاكرة البشرية من التجربة العمورية (أي فنون الإغواء الصوري والإباحة كمثل الذي يصدر عن مدينة "لوس أنجيلوس" والتي تعني باللاتينية "مدينة الملائكة الضائعين".
وتكمل الحكمة ما ذكرته عن الملاك الهابط بالقول "مستشعرا في هذا الزمن لفراغ مدّته ومنتهاه، قد نفث سمّ نجسه بأنياب أتباعه وضفر من ولاه، فهم على أولياء الحق كالنمور الضارية والذئاب الخاطفة يطالبونهم بما تقدّم في نفوسهم من إحَن..."
في القرن الثاني للميلاد اعتبر اللاهوتي يوسينوس أن مصدر كل الشرور على الأرض يعود إلى أبالسة هم في الحقيقة ملائكة طردوا من »الجنة« وفي »الدفاع الثاني« يوضح يوستينس:
»لقد أخضع أولئك الأبالسة الجنس البشري بكتاباتهم السحرية تارة وطوراً بإرشادهم إلى كيفية تقديم الأضاحي والقرابين ودماء الذبائح وحرق البخور، مخلّفين في الأرض الحروب والإجرام والفسق وكل أنواع الخطايا«.
ويساند يوستينس هنا بقوة مقولة أن هذه الملائكة سكنت بين البشر بأجساد مادية. ويعتبر أثيناغوراس في أحد أعماله عام 170 ميلادي سفر أخنوخ قانونياً ويستطرد في وصفه لملائكة »دنّسوا طبيعتهم ومهامهم«.
وتبنّى معظم آباء الكنيسة الأوائل هذا الاعتقاد ببشرية الملائكة الهابطين، وحقق اثنان من المدافعين عن المسيحية لكتانتيوس وتاتيان تفصيلياً في فكرة تجسد الملائكة الهابطين. ففي حين يؤمن لكتانيتوس (260- 330) بانحطاط الطبيعة الملائكية فيهم توسع تاتيان (110 - 172) في شرح هذا الانحطاط واصفاً كيف انغمس أولئك الملائكة في المفاسد المادية لتصبح طبيعتهم قاسية وسفلية وفاسدة.
وفي القرن الميلادي الثالث أشار إيريناوس أسقف ليون إلى أن عزازيل الملاك الشرير الأكبر ومصدر كل الشرور وأدواتها كالحرب مثلاً يتجول على الأرض.
أما تيرتليانس الذي عاش ما بين عامي 160 و230 ميلادية فقد أطلق على سفر أخنوخ صفة »النص« وكتب تيرتوليان عملاً بأكمله حول مظهر النساء مناشداً النساء الاحتشام في الملبس من دون تزيّن وتبرّج أو ما دعاه »خدع تجميل أنفسهن« وقد استعمل سفر أخنوخ كإثبات قوي لدعم قضيته ضد هذا »الشرك« الشيطاني:
»فهؤلاء الذين اخترعوا هذه الأشياء محكوم عليهم بعقوبة الموت، وتحديداً فإن هؤلاء الملائكة الهابطين قد كشفوا مواد خفية وفنوناً أخرى لجيل من الجهلة، لقد وفّروا للنساء مقتنيات خاصة وأدوات التجميل والحجارة الكريمة الثمينة التي ترصّع العقود والأساور الذهبية والألوان الزاهية فضلاً عن كحل العيون لتزداد عيونهن جمالاً«.
ويبدو أن بولس الرسول أيضاً كان مهتماً بالعلاقة ما بين جمال المرأة والملائكة الهابطين. في رسالته الأولى إلى أهل كورنتيا الفصل الحادي عشر ينصح المرأة بوضع غطاء على رأسها في حين لا يحتاج الرجل لغطاء أثناء صلاته:
»وكل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها مكشوف فإنها تشين رأسها« (11-5) إلى أن يصل إلى الآية العاشرة الغامضة: »لذلك ينبغي للمرأة أن يكون لها سلطان على رأسها من أجل الملائكة«.
معظم المعلقين على الكتاب المقدس يعتقدون أنه قصد بذلك أن رأس المرأة المكشوف يشكل إهانة للملائكة الذين يراقبون الحشد في الكنيسة، لكن ترتوليان يعتقد أن بولس يشير خاصة إلى أتباع الملائكة الهابطين الذين يملكون نوايا منحرفة تهدف لإخضاع جمال المرأة لمقاييس تسهّل عملية استعباد "النفس".
وتحدث كليمنس الإسكندري (150 - 220) عن الملائكة »الذين تخلّوا عن الجمال الإلهي الأزلي من أجل جمال زائل ولذلك طُرِدوا من الجنة«.
وآمن عدة آباء أولين أيضاً بتجسد الملائكة منهم مثوديوس فيليبي ومينوكيوس فيليكس، كموديانوس وأمبروس الميلاني وقد استشهد أوريجانوس اللاهوتي الكبير مرات عديدة بسفر أخنوخ مؤكداً اعتقاده بتجسد الملائكة كبشر. لقد اعتقد هؤلاء الآباء أن الأشرار فيما بين البشرية، الذين يتلاعبون بمشاعر الكم من الناس العاديين، لهم بنية روحية ونفسانية تختلف عن نفوس باقي الخلق. فهؤلاء لديهم طاقة خارقة غير طبيعية، حينما يغضبون ينفعلون بلا إنسانية إن كان بالعنف العلني أو بديبلوماسية تخفي وراءها ملامح الإجرام. وهذا فجور سببه فقدانهم للشرارة الإلهية المقدسة في
ذواتهم، فيما يشكِّل تسبّب الأذى لهم متعة ولذة أساسية تعكس حقيقة طبيعتهم الشريرة المُضادة للطبيعة المقدسة لحملة مشاعل النور.
وفي المقابل، اعتبر آباء الكنيسة المتأخرون سفر أخنوخ هرطقياً، والاعتقاد بالملائكة المتجسدين تجديفاً محظوراً. لكن بعضهم اعتقد أن بعض آيات سفر أشعيا يتناول قصة ملاك وهبوطه بسبب التكبر. فأشعيا أطلق على لوسيفر، أي الشيطان، تسمية إنسان، مقدماً تلميحات قوية لاعتقاده بأن هذا»الملاك المطرود« قد تجول على الأرض بلحمه ودمه وتحرك بين البشر الفانين كواحدٍ منهم.
وأشار كبريانُس (200 - 258) وهو تلميذ ترتليانس إلى استعمال كلمة إنسان في السفر حول لوسيفر »الذين يرونك يتفرسون فيك ويتأملون أهذا هو الإنسان الذي زلزل الأرض وزعزع الممالك ((أشعيا 14/16) وذلك ليبرهن أن لوسيفر، ظهر كإنسان. ويؤمن أفراهاط، وهو لاهوتي فارسي من القرن الرابع الميلادي أن لوسيفر قد تجسد كنبوخذ نّصر، الملك البابلي الشهير.
لكن رغم كل هذه الإثباتات أصرّ آباء الكنيسة الآخرون على استبعاد هذه الفكرة. يوليوس أفريقانوس (200 - 245) عارض فكرة تجسّد الملائكة مفضلاً اعتبار »أبناء الله« الوارد ذكرهم في سفر التكوين، الفصل السادس، على أنهم أبناء النبي شئت الصالحين. وفي بداية القرن الميلادي الرابع 22
أعلن افرام السرياني أن الفصل السادس من سفر التكوين إنما يشير إلى أبناء شئت وأبناء قاين. ووصف اللاهوتي السرياني تيودورت المؤمنين بهذه الفكرة على أنهم »أغبياء وسخفاء جداً«. ومن ثم دخل إيرونيُمس (348- 420) مؤرخ ومفسر الأسفار المقدسة ومترجمها إلى اللاتينية من العبرية والآرامية واليونانية في هذا الجدل متهماً سفر أخنوخ بالخطر ومقارناً تعاليمه بالبدعة المانوية(نسبة إلى ماني) الموسومة بالهرطقة هي الأخرى، والمانوية التي شكّلت منافسة قوية للكنيسة أوجدها
راءٍ فارسي يدعى ماني في حدود عام 240 ميلادي الذي ادعى بأنه من حواريي المسيح. واعتقد ماني أنه تجسد للفرقليط المنتظر »المعزي« الذي بشّر به يسوع، ووعظ بمذهب مركّب من عدة أديان رئيسية منها البوذية والزرادشتية والمسيحية. كما وعلّم حقيقة التقمص ووضع كتاباً حول الملائكة الأشرار (كانت نهايته الحرق)، وكانت عاقبة ماني القتل على يد زرادشتي متعصب في جنوب غرب فارس ورقِّمت تعاليمه على لائحة الكنيسة السوداء.
أما كريسوستوم (346- 407) فأخذ على عاتقه تفنيد السفر وآرائه حول الملائكة، معتبراً إياها غامضة ودحضها بقوة، لقد كان السؤال حول تجسد الملائكة الأكثر إثارة للجدل. وموقف كريسوستوم هذا حول روحانية الملائكة وجسمانية البشر اللذين لا يلتقيان، أقرّ به سيزاريوس آرالس الذي أصرّ على نظرته أن الملائكة غير جسمانيين. في حين دان فيلاستريوس تعاليم أخنوخ واسماً إياها بالهرطقة في لائحة طويلة وضعها عن الهرطقة، وحجته الكبرى ضد هذه التعاليم أنها تشوش فهم التاريخ بمنطق ملتف.
ومن هذا المنطلق، وخوفاً من »التفاف« المنطق والاتهام بخطيئة التجديف،تحوّل كثير من الآباء والمؤمنين عن سفر أخنوخ باعتباره »خرافياً ملفقاً« كما شاع آنذاك في أوساط المسيحية. وبقي الأمر مثيراً للجدل بالنسبة لأتباع الكنيسة إلى أن حسمه أسقف هيبون الشهير القديس أوغسطينُس حيث تم إخماد أوار الجدل حول تجسّد الملائكة الهابطين لقرون عدة. واعتبر توما الأكويني في استنتاج منطقي لهذه
المقولة أن الكبرياء هو الخطيئة الوحيدة التي يقترفها الملائكة أو الحسد فيما بينهم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
ألا يمكن للملائكة أن يتكبروا أو يحسدوا وهم في جسد بشري أيضاً؟ وكيف يتسنى لهم
التمرد والتفاخر والتكبر على بعضهم البعض في عوالم الروح من دون ساحة صراع حقيقية، أي في ماده هذه الرذائل - الجسد، وفي عالم يهتدي ويضلل يتبع النور أو الظلمة ( أي الأرض)؟.
وبقي سؤال آخر: مَن المستفيد من إبقاء حقيقة الملائكة الهابطين سراً مصوناً يحرّم الكشف عنه؟