|
|
معركة الزمان جارية لكن قليلة هي الأوهام، وقُدّر لكم تنسيق البواطل لرؤيتها والتمتّع بسوقيّتها. فلا عجب من نشاط المارقين وجلوس المتكبّرين، ولا يُعقَل خمد حركتهم وإلا توقّفت الساعة عن العد، فهل يُعقَل مقارنة مرحلة الخير والتفاؤل بمرحلة النفوس الجيّاشة للاستمتاع بعظمة واحدة.
وفقاً لتعاليم الحكمة المقدّسة لم يعد الزمن زمن زرع بل زمن حصاد، إذ ليس عصرنا هذا كما تقدّم من الأزمان والعصور، لأن الضد وأعوانه في هذا الزمن قد تضاءلت أعمالهم إلى الانسفال والتوهيم، وأمواج الباطل تتكسّر على شواطىء عودة المُلك إلى أهله المحقّين.
فهذه الجولة لا تُعَد من جولات الضد، ولا يُقال قوّة الشر لأن قوّته معدومة، إنما عقول الظلمات تجاهر بالشر علناً وأفعالهم تنكشف بالقبح إلى العيان، لأن الضد الأكبر فقد سيطرته على أعوانه، وبالتالي لغة الشر فقدت غموضها، وسقط قناعها
و"إذا انكشف الشر في عالم المادة فقد سيطرته في عالم الروح" (من مخطوطات حكمة قمران)
والسؤال إذاً: لماذا سُلّط في هذا الدور الأخير أقبح البشر أعوان حارت في القِدَم ومَن أضرموا على أبناء النور في سالف العصور نار الفِتَن على مَن أقرّوا بالحكمة المقدّسة وحافظوا على عهدهم لها:
لأن، لا بد لِمَن يطلب معاني القيامة الكبرى أن يذوق لذّة الروعة من الحذر فيرى بأم عينه التقاء مصير الوهم في ذهنه بمصير هؤلاء في الخارج، فيعرف الفرق بين الذهني والخارجي وبين "الناظر" وتأثيرات النظر في المنظر، فيتيقّن عندئذٍ بأن مصدر ذلك الوجود لا يماثله شيئاً آخر هناك، وأنه
حاكم مصيره وبأن دائرة الأزمان قد دارت من أجله وانها عادت لتؤكّد له بأن كل شيء بيده عندما يعرف حقيقة شخصه، والضرورة المنطقية لانحصار العدم بأشخاص أهل الكفر والارتداد، مَن جعلهم الرب آية للعذاب، وأداة لمعرفة اقصى معاني الثواب والعقاب.
وهذا ما يُفرّق أبناء النور عن أبناء الظلمة الأشقياء،
فأبناء النور يحتفظ كلّ منهم بنظرته ولا يحترق في المنظر ولا يغرق في الصورة ويبقى مسكناً للنور الإلهي الذي "كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شان"، أما أبناء الظلمة فقد تخلّى كلّ منهم عن أسلوبه، وباع نظرته للضد. فنفسه لا تتوق إلا لصورة العظمة التي صوّرها له، فيشقى في تلك الصورة شقاءً أبدياً. فنعود ونقول:
"مَن طلب العلا سهر الليالي، ومَن عرف الحق لا يتعب ولا يُبالي"
وفي منظار الحقيقة النهائية كل شيء يحدث لحكمة محكمة ويأخذ مكانه في البنى المعنوية التي يرتكز عليها الوعي الآدمي، لذلك فإن سمّ الأضداد نافع وحركتهم ضرورة لاستمرارية الزمن، فشروط الثواب والعقاب تقتضي بأن تستمر حركتهم إلى أن تختبىء وراء نطاق المسؤوليات حيث يُضمَر قانون الغاب وتراكيب العذاب لِمَن غرق في صورة المادة والصيرورة وسالت طبائعه بسيلان الحُطام والآثام واستعار من الروح سكوناً ليس ملكه، فلا بد له أن يعيد السكون بعناء الحركة.
ولا أحد يقوم بفعل ما إلا بدافع رغبة ما يظنها صائبة. فلذلك إن معطيات الأقوال تقول:
السكون مفتاح الأسرار، أما الأفعال فليست هي المقياس، إنما جذور الشر الحقيقي تكمن في جهل الناظر لتاثيرات نظرته في المنظر، وجهل الراسم للمعنى الذي يمثّله رسمه على لوح القدر، وجهل الفاعل للدور الذي يصنعه فعله في شخصه: صورته.
وهذا الجهل مُستَمد من رفض إبليس القديم الاعتراف بآدم الذي انعكس برفض المقياس الإلهي الذي يتجلّى بنواحي الصورة الآدمية وما تمثّله من معاني للألوهية: كالحب والخير والجمال، والذي به تُقاس الأشياء، فينتج عن هذا الرفض رغبة في تشويش الرؤيا تبحث عن منفذ لها في حقل الحركة والتصرّفات وتستمد طاقتها من طاقة "الناظر" إليها لأنه يمدّها بنظرته بنوع من الوجود المعدوم أصلاً، فيصبح لرفض إبليس القديم وجود وهمي.
لذلك فإن طاقة الشر مدمّرة لذاتها، والنار إن لم تجد ما تأكله أكلت نفسها.
وفيما ترتفع ضجة الأفعال الخالية من عنصر النور، وتتجرّد الأفعال البشرية أكثر فأكثر من المعاني الآدمية، يبقى المقياس الإلهي هو هو، فالله غني عن ما تفعله العبادة، والأضداد مهما تلحفوا بالعظمة والغموض هُم في المعادلة النهائية مخلوقات تُنسَب إلى نظام الخلق وتخضع لقوانينه، فأعمالهم لا تدينهم أمام الله، لأن الله قد تنزّه عن مخلوقاته بالعقل (المقياس الآدمي للألوهية)، بل تدينهم أمام آدم (العقل) الذي رفضوا رؤية الألوهية في صورته،
وبمقاييس تقلّبهم الأبدي كبشر هنا على الأرض سيذوقوا ما صنعت أيديهم بحق الأبدية، كأرواح أُزعجت عن هياكلها الإنسانية وتغرّبت عن معاني آدميتها. وبهكذا إدانة تتوضّح معاني العذاب الأبدي ودوافع اليأس من الرحمة الإلهية، لأن كل شيء كان بيدهم وفرطوا به...
لذلك فإن العالم يتساوى في طلبه للإلوهية، لكن عقول الظلمات تبحث عنها في الأحجام الكبيرة وفي العظمة الموحشة التي تغرّب الإنسان عن موطن إنسانيته، أما أبناء النور فلا يأتنسوا إلا بالصورة الآدمية لأن فيها ظهرت أسرار المحبة الحقيقية، وإلا لما أوصت الحكمة بـ "صدق اللسان وحفظ الإخوان"، فالصورة لهم في جميع العصور العروة الوثقى وطريق العبور من عصور الظلمة إلى عصر النور.
وأعوان الضد لَن يُعاقَبوا في العالم المجهول بل في هذا العالم لأن رفضهم للنور الإلهي الذي تجلّى في معاني الصورة الآدمية جمح بهم إلى أقصى مجاهل الحركة السفلية لإتمام نظرة إبليس الأعظم، غير واعين لأبناء النور تلك للعين الإلهية التي بُعثت إلى حيث هم كهم حجة منهم عليهم لتضع أمام أنظارهم المرآة ليروا صورة الوحش في أنفسهم بمنظار الحدود الآدمية.
ومَن لم يعرف الحدود ويوحّد المعبود فاليلزم الإنكار والجحود، لأن قوة الضد الروحانية قد صُلِبت على خشبة الوجود، فظهر هو وأعوانه بالصور الإنسانية ولم يعلم أن:
الزمان والمكان هو صورة للأبدية،
والكون صورة للنفس الكلّية،
وحالة الإنسان على الأرض صورة للحكم الأبدي على الأنفس، إما بالسعادة أو بالتعاسة،
فانظر إلى معاني وجودك هنا على الأرض: هل أنت سعيد بما تراه؟
فماذا عسانا أن نقول بشأن تعاسة هذا العالم:
ما الله بالمطفىء نور العقل، كلا، ولا الموقد نار الجهل
قد ظهروا بالعالم العلوي، بما لهم من خطرٍ عليّ
وبطنوا في عالم الأجسام، حقاً بأقدارهم الجِسام
مسائل تجمعها قصائد، قصائد لكنها مصائد
مصائد لراغب مسترشد، مصائب لكل عاتٍ مُعتَدِ
فابلغ من حميم قول القالي، بالقول، ما لا تبلغ العوالي
|
Tel: 961 3 618620 / Fax: 961 1 866240 / E-Mail: druze@druzenet.org |
© 2002 Druzenet |