وهم الانفصال وطلب المحال

إنما "حفظ الإخوان" لا يعني أي تجمّع بشري، بل يعني تقابل السرائر والتاء البصائر على معرفة سر تجلّي الألوهية بالصورة الآدمية.

 ومع ذلك، فإن تراكم رواسب ارتحال أبناء النور عبر الزمان والمكان ومكوثهم طويلاً إلى جانب قبور الموتى قد أحاك شباكاً خفية وظلمة مجازية حول ذواتهم الحقيقية، أصبحت تتجلّى أكثر وضوحاً في الخوف والفقر وتمسّك الضعفاء منهم والدخلاء بينهم بالقشور على أمل أن يأتي الخلاص على شكل فرسان وسيوف ريثما يُحاط عالمهم أكثر فأكثر بالجهل والشقاء.

للوهلة الأولى، يصعب الاعتقاد أن مبدأ "حفظ الأخوان" هو ركيزة أساسية من ركائز الحكمة القديمة.

وتُفَسّر الأخوة كنوع من التعايش فيما بين تجمّع بشري تربطه هوية ما: حضارية/ اجتماعية دينية/ عرقية/ أكاديمية/ عائلية إلخ.

فماذا بشأن العنصر الآدمي؟ ماذا عن ذلك النور الإلهي الذي يحضر بحضور الصورة الآدمية؟ ما الذي يجمع بين التجمّعات البشرية إذا فشلت لغة الحضارة  أو الدين أو العرق أو حتى لغة العولمة؟ 

إنما "حفظ الإخوان" لا يعني أي تجمّع بشري، بل يعني تقابل السرائر والتقاء البصائر على معرفة سر تجلّي الألوهية بالصورة الآدمية.

ومع ذلك، فإن تراكم رواسب ارتحال أبناء النور عبر الزمان والمكان ومكوثهم طويلاً إلى جانب قبور الموتى قد أحاك شباكاً خفية وظلمة مجازية حول ذواتهم الحقيقية، أصبحت تتجلّى أكثر وضوحاً في الخوف والفقر وتمسّك الضعفاء منهم والدخلاء بينهم بالقشور على أمل أن يأتي الخلاص على شكل فرسان وملائكة وسيوف ريثما يُحاط عالمهم أكثر فأكثر بالجهل والشقاء.

والسبب الرئيسي اليوم وراء الإحساس الشامل بوهم الانفصال وعدم الاستقرار يعود إلى واقع أنهم قد غفلوا عن جوهرهم الروحي ليماثلوا أنفسهم فقط بالجسد المادي. وينبع أيضاً وهم الانفصال هذا من الأنانية، وللأسف الشديد، تتغذى هذه الأنانية يوماً بعد يوم بأفكار الأكثرية التنافسية.

إذا أمعنا النظر في الوحدة التي أوصينا أن نحافظ عليها لاكتشفنا بأننا لا يمكن أن نحقّقها تحت ظل وضع الأكثرية منّا الحالي، لأن جوهر هذه الوحدة هو إلهي مقدس وليس عشائري ودموي.

إن أبناء النور (بمعزل عن الدخلاء)، يشكلون وحدة لا انفصام فيها، ليس في اتفاقهم وتعاونهم فحسب بل في جوهرهم  الروحي. ولا يفرّق بينهم سوى مسافات وهمية تجعلهم يبدون منفصلين عن بعضهم البعض، يبدون كذلك في رؤية الأعين الشحمانية للأجسام الترابية. لكن ماذا عن علّة العلل الجوهر وعن الميثاق الذي جمع أقدارهم ليلة الرحيل منذ الأزل وأوجب عليهم بعد تقضّي أيام الليلة الظلماء العودةإلى قدس في قدسية المكان لتحقيق الإمكان؟

فيا أبناء الأخوّة العظمى انظروا من حولكم وتفكّروا بمعاني خلق السموات والأرضين وخلق انفسكم، عندها ستجدوا أن كافة الطرق التي يسلكها العالم اليوم تنحني لتصل إليكم وبكم لتحقّق المعنى الأقدس من "كن"؟

ألم تؤكّد الفلسفة الشرقية هذا كله في البهغفاد غيتا (نشيد المولى)؟  "لقد أسست هذا العالم الكلي بجزء واحد مني، وضللت منفصلاً ".

أليس بوسع أبناء النور إتباع الوصية اليونانية الشهيرة؟ "اعرف نفسك".

كيف يعرف أبناء النور أنفسهم؟ ابالتكتّل العشائري أم بمعرفة السر الذي جمعهم بعد أزمان التشتّت في أعظم الأزمنة وأقدس الأمكنة؟

ألم تظهر لهم الحقيقة منذ البدء بصفاتهم لتقبلها أفهامهم؟ أليست شروط سعادتهم في الدنيا من أعظم أسرار الآخرة وما يكمن في داخلهم من همّة مؤثّرة هي عين حقيقة القيامة؟ أليسوا هم أنفسهم "السابقون السابقون"؟

فما بالهم يطلبون المجهول ويترقّبون عقارب الساعة خارج أنفسهم؟ ما بالهم ينتظرون نهاية لقصة الوجود غريبة عنهم ؟

فكيف لهم أن يطلبوا ما هو ليس بموقوف أو معروف؟ كيف يتسنى للعقل أن يعرف ما ليس له شكل أو لون؟ ألم يأتي إلى أسماعهم يوماً أن أبناء النور هم نفس واحدة في أجساد متفرّقة؟ فما بالهم يفرّقون أنفسهم عن بعضها البعض انتظاراً لِمَن سيأتي ويجمع أو يفرق بينهم؟ ما بالهم يجهلون حقيقة الإفراق؟

إن العالم بكليته هو جسد وأبناء النور هو له الروح، وكيف للجسد أن يحيى من دون الروح؟ لكن ما دامت أجزاء الروح متنافرة تبقى النفس أسيرة هذا الجسد، أسيرة الوهم، منتظرة الخلاص ليأتي من العدم. ليتوحّد أبناء النور، وليخلعوا عنهم الوهم فبتوحّدهم تُكشَف معاني الوجود وتتجلّى حقيقة الشاهد والمشهود.

عودة إلى الصفحة الرئيسية