|
|
الحكمة القديمة حول استحالة التقاء النور مع الظلمة
"عالم الروح هو الحاكِم شئت أم أبيت"
أحد أهم مبادىء الحكمة القديمة
حقيقة انفصال أبناء الروح عن أبناء الجسد في العالم المطلق (أي عالم الروح) وضرورة انعكاس هذه الحقيقة في العالم النسبي (أي عالم المادة) بظهور معاني القيامة الروحية للأعين الشحمية من أجل الهدف الأسمى للوجود: المعرفة الآدمية.
لذا فإن تجربة التقاء أبناء الروح مع أبناء الجسد في هذا العالم مهما اُخضِعَت لعوامل المدّة والمادة ومهما ابتعد تعريفها بالمنظار المادي عن حقائق الحكمة الأزلية وازدادت مظاهر سيطرة قوى الوهم في عالم المادة، تبقى بعين الوجود وبعين شمسه التي لا تغيب مثال صوري موقوف ومعروف للانفصال الأبدي بين طبيعة الروح وطبيعة الجسد - دليل قاطع وبرهان ساطع يخدم الهدف الأسمى من الوجود "المعرفة"، وممثول للحكم الخفي للروح على الجسد، فمهما ظهرت لغة الجسد وارتفعت ضجة الفكر تبقى لغة الروح حكمة ساكنة تحكم نظام الكون بأسره.
ومن دون تقصّي آثار الحقائق الروحية في عالم الموقوف والمعروف (اي العالم الذي نراه من حولنا)، لما عُرفَت هذه الحقائق بأي شكل من أشكال المعرفة المعروفة.
إحدى أكثر عقائد الحكمة القديمة إثارة للجدل كانت دائماً انتفاء وجود أي عالم آخر حيث يمكن للروح أن تَعرِف، أو تُعرَف، أو تُثاب أو تُعاقَب ما خلا "هنا والآن" (على الأرض) وعبر الجسد (آلة المعرفة).
ولذلك، فإن تجربة التقاء أبناء الظلمة مع أبناء النور هنا على الأرض، بعين العارف، لا تعني أن نتيجة صراع الخير مع الشر لم تُحسَم بعد، بل أن من دون خوض تجربة معاني هذه النتيجة المحسومة أصلاً (أو هذا الانفصال الأبدي بين الطبيعتين) هنا على الأرض، لا يتحقّق هدف الخير الأكبر ألا وهو المعرفة. ولولا الدنيا والآثار لما بدت الأسرار.
فالحكمة أوجبت أن تكون معرفة هذه الحقيقة الأبدية عبر التجربة الأرضية السبيل الأوحد الذي يمكن أن يكشف معاني "التوحيد الأرفع" للأعين الشحمية ويُخضِع عالم الجهل إلى أحكام المعرفة فيرجع صدى السؤال القديم ليرن في آذان العالم أجمعين: "لِمَن المُلك اليوم وفي كل يوم؟"
وها هم أبناء الروح وقد عادوا إلى أماكنهم في فكر الأب، الأماكن التي ارتضاها لهم منذ ليلة الرحيل من الأزل وافين لعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم وقد خرج من أفواه كالمسك والعنبر:
ما نزلنا إلى عالم الأجساد وآنسنا وحشة ظلمة العوالم السفلية إلا حباً لك ولحكمتك وحنيناً للرجوع إليك، فها نحن نحتفل بالصورة الآدمية سبيل جنّة معرفتك الأبدية، فأصبح عالمنا عالمك وقد رفعتَ عنه تكاليف التعبّدات، فهنيئاً لِمَن خُتِمَ له بالسعادة وكان مقبولاً.
مقتطفات من الحكمة القديمة
"أنزل عليهم من قطرات نوره فأفاض. فمنهم مَن أصابه ذلك النور دون حجاب، فتطلّع إلى تمثال الشجرة الكونية المُستَخرَجة من حبّة كن المطهّرة، فلاح له في كافها تمثال كُنتُ كنزاً مَخفياً، فأردتُ أن أُعرَف، فخلقتُ الخلق، وبي عرفوني".
"وأما الذي أخطأه ذلك النور، فقد طولب بوجوب المظاهر، وبكشف هوية المعنى المقصود من لفظ حرف كن، فإنه لا ريب قد غلِط في هجائه، وخاب في رجائه."
مدينة الروح ومعنى القيامة:
"وقال مولانا جلّ وعلا قبل العروج إليها: يا طول ما كان شوقي إليها، ويا حسرتي عليها، ما كنت أودُّ انتشار الكواكب إلا لرَدّي ورجوعي إليها، وما كنتُ أشتهي وقوع الواقعة، وقيام الحاقّة، إلا لنزولي وصعودي إليها وعليها. فهي مدينة الروح القدّوس السبّوح، التي لا يعرف قدْرها إلا مَن انبثق منها، واطّلع على سر القَدَر الذي تقدّم إليها في البدء وفيها تأخّر، فلهذا جهلها أرباب الفكر. ففيها أطباق الحكمة وأباريق الرحمة..."
الذين انبثقوا من مدينة الروح:
"لقد عرفتم، وطُبع على أسماع قلوبكم، أن هذا المحل الأسنى قد رُفِعَ عنه التكليف، فلا يتحكّم عليه لطيف ولا كثيف...
ان المدّة والمادة لا يغيّرا شيئاً من حقيقة الروح الخالدة:
"إن بعل حمّالة الحطب، التي في جيدها حبل من مسد، قد مكث في مكتب آبائه وأجداده، الأبدي الأزلي السرمدي، أربعين ألف سنةٍ له وعام، يتصفح حروف كُنْ، فكان ما تعلّمه إلا كمَن يمشي إلى اليم، فأدخل أصبعه فيه، فما خرج منه فهو ما تعلّمه من صدى نور ذرّةٍ من نقطة كُن الأزلية. ولقد مكثت تلك الذرّة حول ضوئها ألف سنة إلا خمسين عاماً، من عمر تلك الذرّة. فرجع البعل غضبان أسفاً على ما فرّط بالأمس، وقال: يا ويلتاه، ليتني كنتُ مع المعلّم فأفوز فوزاً عظيماً...."
"فمَن أكل من ثمرة شجرة المعصية، جعله محدوداً، ومَن دخل في ظلمة النفس، جعله معدوماً، ومَن تطلّع إلى جبل ذاته، جعله حجراً جلموداً، والكل يعمل على شاكلته..."
"فالحق اعلم بما استُبطِن في سر كلمة كُن، الدائر على نقطة دائرتها، الثابت على أصل حبّتها، وهو واهب حُكم أسرار الأرواح، في غيابات الجسوم، مَن شاء من حكمائه المتألّهين، لا بشرطٍ معلوم ولا بالحد المرسوم..."
الحكمة (التجربة الآدمية والمنهج القويم وسبيل معرفة ارتباط عالم الروح بعالم الجسد):
"وهو مَن جعل المنهج القويم سبيلاً إلى معرفة تجلّي الارتباط ما بين المُحدَث بالقديم، وتجاوز بأحبّائه رسائل التكليف، وكُتُب ألفاظ التعبّد والتسويف... واسلمهم مفتاح مدينة كشف الخلود... فاوتوا كتابهم الجامع لجمع الجوامع، الذي خرجوا به عن ظلام الترابية البشرية، ولحقوا بهيولانية أرواحهم..."