كلمة النائب والوزير السابق الأمير طلال ارسلان

اقدم نظام المافيا الجديد – القديم، المسيطر على المجلس النيابي المزوّر، المطعون بشرعيته، اقدم خرقين اضافيين للدستور والميثاق الوطني، الاول تمثل بالاجهاز على المجلس الدستوري والثاني باقرار قانون تنظيم شؤون الطائفة الدرزية بما يخدم اطماع ومصالح شخصية، خلافا لقاعدة الشورى والحوار والاجماع الواجبة للوجود.

ان العقلية التي تفردت بوضع هذا التنظيم عقلية ديكتاتورية دموية تؤكد على ذاتها مهما تفاصحت في الحديث عن الديمقراطية والحريات. للمرة الاولى في التاريخ يُضرَب عرض الحائط مبدأ توافق اهل التوحيد في تنظيم اوضاع طائفتهم الداخلية ومنها ما له صلة بالمال العام، والارجح ان هذا هو الحافز على التفرد الذي حصل وجرى تغطيته عبر الاكثرية النيابية التعيسة المكونة باغلبيتها الساحقة من موظفين نيابيين مملوكين من بعض رؤساء اللوائح والكتل.

ان مجرد التفرد على هذا النحو في شأن الاوقاف الدزية يؤشر الى حجم الاخطار التي تهدد هذه الاوقاف التي تشكل ثروة عقارية هائلة مؤلفة من اكثر من سبعمائة عقار يسيل امامها لعاب اللصوص والسارقين والذين امتهنوا استباحة المال العام على مدى السنوات الستة عشر المنصرمة والذين يتهربون من مشروع المحاسبة المالية في شأن المديونية العامة للدولة والذي طرحناه نحن وحلفاؤنا.

ان استباحة الاوقاف الدرزية حرام دينيا بقدر ما هو عيب اخلاقي واجتماعي. ولا يحق لأحد مهما اعتبر هو ان شأنه عاليا، والله عز وجل اعلى من الجميع، لا يحق لأحد ان يجيز لنفسه التفرد في الاشراف على الاوقاف. ولو لم تكن الاستباحة هي المقصودة لما كان التفرد.

ان التفرد في الاشراف على الاوقاف هو تسلط مطلق عليها، لا يجيزه الدين ولا الاخلاق ولا النزاهة ولا الامانة. فالسلطة المطلقة مَفسَدة مطلقة. و " عجبا بالسلطان كيف يحسّن وهو اذا اساء وجد من يمدحه ويزكّيه".

اوجه كلامي الى عقلية التفرد والاستباحة فأقول لها ان سلوكها نسخة طبق الاصل عن سلوك الديكتاتوريات التي تؤمن بتوقيف الزمن. فإذا كانت الانتخابات النيابية الاخيرة المزورة والمطعون بشرعيتها قد سمحت، عبر التحالفات المعروفة، بولادة ظرف امكن تقديم المشروع الى المجلس النيابي، فإن الانتخابات النيابية ونتائجها هي من متغيرات الزمن وكذلك التحالفات ولا تصح لأن تُعتَمَد قاعدة تُبنى عليها شؤون ثابتة كتلك التي لها علاقة بالمذاهب وتنظيمها وحماية اوقافها.

فالأوقاف وشؤون الطائفة لا يجوز اطلاقاً اخضاعها للتفرد السلطوي والاستكبار الصلف، بقدر ما لا يجوز اخضاعها للتجاذب السياسي. فعلى العكس من ذلك ان قاعدة التوافق والحوار واجماع الرأي في هذه الامور غير السياسية، هو ذات الصلة بالهوية الدينية والارث الاجتماعي – والتاريخي ، هي الحاضنة لوحدة البيت الدرزي الداخلية ونسيجه الاجتماعي وخصوصا سلمه الاهلي، مهما تعددت الآراء السياسية والتباينات حول الشؤون الوطنية العامة. من هنا خطورة تسييس الأمور ذات الصلة بالهوية الدينية. لا شيء يفسر تكسير، بل تدمير هذه القاعدة، سوى الطمع بثروات الاوقاف.

اني ادعو الهيئة الروحية للموحدين تحمّل مسؤولياتها الدينية عملاً بالميثاق الشريف الذي كتبه الموحدون على انفسهم والله عليهم شهيداً. ادعوهم الى حماية الاوقاف وان يضعوا نصب اهتمام ضمائرهم التقيّد بوصية الامير السيد عبدالله (قدس الله سره) فيؤدوا واجبهم الديني للدفاع عن وحدة البيت الدرزي الداخلي واطفاء مشروع الفتنة التي يمثلها هذا القانون، خصوصا في ما له صلة مباشرة لاختيار شيخ العقل والمجلس المذهبي وصيانة الاوقاف وحسن ادارتها بشفافية ونزاهة وامانة.

اما في ما يخص سلوك الاكثرية، المزورة المكونة من موظفين نيبابيين مملوكين من رؤساء اللوائح، هذه الاكثرية التي يعرف الجميع انها لا تمثل الاغلبية الشعبية فانها لم تفاجئنا في تصويتها على قانون الفتنة واستباحة الاوقاف الدرزية. فدورها الاساسي يقضي بمنع حصول محاسبة دقيقة في موضوع المدينوية العامة، وامر هذه الاكثرية المملوكة ليس بيدها اساسا.

لذا ادعو الاقلية النيابية التي تتمتع عمليا بالاكثرية الشعبية، ادعوها الى اعادة النظر بقانون الفتنة هذا لأن ممثلي الاكثرية الشعبية هم حريصون على الميثاق الوطني، ميثاق الطائف، الذي ينزع الشرعية عن كل ما يتعارض مع مقتضيات الوفاق الوطني. الى لهذه الاقلية النيابية الممثلة للاكثرية الشعبية اوجه نداء الميثاق الوطني فأقول لنوابها الشرفاء: هذا القانون الفتنة يتناقض مع مقتضيات الوفاق الوطني لأنه يعتمد الديمقراطية العددية حيث يفترض اعتماد الديمقراطية التوافقية.

وهل ان الديمقراطية التوافقية واجبة في كل الطوائف والمذاهب وممنوعة في الطائفة الدرزية؟...

ان من حق الطائفة الدرزية ان تنعم بالسلم الاهلي وبوحدة هويتها وبسلامة اوقافها اسوة بباقي الطوائف والمذاهب.

باسم الميثاق الوطني ادعوهم الى قطع الطريق امام قانون الفتنة التي اقره موظفون نيابيون، مملوكون من اسيادهم بعض رؤساء اللوائح والكتل . والشعب اللبناني كله يعرف ذلك، البعض يقبل به والبعض الآخر يرفضه مفضلا الحرية والديمقراطية وعدم الخضوع لرق الدولار.

ان افشال قانون الفتنة هذا ضرورة لانقاذ الديمقراطية والتعددية في لبنان والا فإن الفدرالية المذهبية القائمة حاليا، خلافا لميثاق الطائف، سوف تزداد حدة وشراسة ويتحول لبنان الى دولة مركبة من ديكتاتوريات، لكل مذهب ديكتاتورية تتحكم به عبر حزب قائد وزعيم اوحد.

ولا يظنّن احد ان في وسعه ان يفلت من هذا المصير. فمذاهب لبنان كالأوعية المتّصلة. وعدوى التفرد والاستباحة ستنتقل من مذهب الى آخر.

انه نداء اوجهه الى النواب الحقيقيين، ومنهم اصدقاء لنا، اعرف جيدا كم للكرامة عندهم من مكانة مميزة، في زمن الانحطاط الذي يعيشه لبنان منذ سنوات طويلة.

ان قانون الفتنة يؤكد على ان في لبنان فوضى حريات واستباحة محرّمات وقيود ثقيلة تكبّل الديمقراطية. فاستباحة المال العام يحصل دوما على حساب الديمقراطية.

فاليسقط قانون الفتنة لتحيا الديمقراطية في لبنان. والسلام عليكم.