|
|
الفئة الثالثة
هم الشهداء على أعمال العباد، وإنما هم الغاية والمراد لإقامة الحجّة على أهل الفسوق والعناتصنيف أجناس الرجال عند دخولهم في تقمّصهم الحاضر
دخول الرجال إلى الحياة الحاضرة يشبه صفة ومشرب حاملين آراء مختلفة ومتباينة:
واحدهم مسرعاً كي يبيع سِلَعَهُ من أجل المال وجني الأرباح،
لكن الآخر يتقدم كي يستطيع كسب الشهرة بإظهار قوة جسده،
وتوجد الطبقة الثالثة من الرجال أيضاً، وهؤلاء هم العقلانيون الأحرار بالشكل الأكثر.
إن من يجتمع هناك، يفعل ذلك، لأجل إلقاء نظرة عامة على الأمكنة، على أعمال الفن الجميلة، على الأشخاص الشجعان، وعلى الإنتاج الأدبي المعروض عادةٌ في مناسبة كهذه.
هكذا في الحياة الحاضرة أيضاً، الرجال يجتمعون معاً في مكانٍ واحدٍ من كل المهن المختلفة.
بعضهم يتأثر برغبة الغنى والترف،
ويتأثر الآخرون بحب السلطة والسيادة، ويتملك الآخرون طموحاً مجنوناً للمجد والعظمة.
لكن الأخلاق الأكثر طهارة ونقاءٌ هي للإنسان الذي يهب نفسه للتأمل في الأشياء الأكثر جمالاً، وهو المناسب كي يُدعى فيلسوفاً.
مثل الحياة كمثل مشاهدة الألعاب الأولومبية: بعض يأتوا للربح والمكسب، البعض الآخر حباً بالشهرة، أما أنبل البشر فيأتي لمتعة المشاهدة المجرّدة عن الغايات الشخصية...
مرة ثانية، الحياة مثل الجمع الإنساني كهذا الذي يأتي معاً لمشاهدة الألعاب الأولومبية،
الزوار الذين يتلونهم هم أولئك الذين يأتون ليتنافسوا للحصول على تاج المجد والعظمة.
الطبقة الأفضل، على كل حال، هم أولئك الذين يأتون كي يمعنوا النظر،
الذين لا ينشدون التصفيق ولا الربح، بل يأتوا ليراقبوا ما يُفعل وكيف.
وبشكلٍ مشابه يبرز الرجال من حياةٍ وطبيعة أخرى إلى هذه الحياة،
مثلما يبرز الأشخاص من مدينة ما إلى حشدٍ كامل من الناس لاجتماع كبير كهذا،
وبعضهم يكبُر بطبائع ذليلة، تهيمن للربح أو للشهرة.
لكن يوجد قلائل الذين يستخفون بكل الأشياء الأخرى، ويحققون في طبائع الأشياء بشكل توّاق.
هؤلاء هم الناشدون الحكمة والمقتنفون أثرها: هؤلاء هم الفلاسفة.
الفلاسفة ينشدون الحقيقة.
الحياة التي تتأمل هي أكثر نبلاً من تلك التي تستمتع بالأشياء.
يمكن مقارنة هذه الحياة بالألعاب الأولومبية، فكما في هذه الجمعيّة العامة ينشد البعض العظمة والحصول على ألقاب البطولة،
ويبغي بعضهم الربح بواسطة شراء وبيع البضائع،
ويذهب الآخرون الأكثر نبلاً من الإثنين إلى هناك ليس بقصد الربح ولا الإطراء.
بل يبتهجون بهذا المشهد اللافت للنظر البديع كليّة ولكي يروا ويعرفوا كل ما يجري.
نهجر نحن بلادنا التي هي السماء في الأسلوب عينه، ونأتي إلى العالم، الذي يكون جمعية عامة، حيث يعمل العديد للكسب، ويعمل الكثيرون للربح،
وحيث يوجد قلائل، الذين يزدرون حب اكتساب المال واختزانه، ويستخفون بالباطل والغرور، هم يدرسون الطبيعة،
وهم الآخرون الذين يُدعون فلاسفة،
فكما أنه لا يوجد أي شيء أنبل من أن تشاهد ما يجري بدون مصلحة شخصية.
هكذا في هذه الحياة فإن التأمل المليء ومعرفة الطبيعة هما أكثر شرفاً من أي مطلب آخر بشكل مطلق.
الحياة هي أيضاً التقدم اللانهائي، تقدم منذ عهدٍ بعيدٍ حادث، الذي ننضم له عند مروره بنا.
على طول هذا الطريق ينضم الآخرون، ويكفُّ غيرهم عن الإشتراك العملي فيه عند مكانهم المقصود، وهكذا عندما نصل إلى نهاية رحلتنا نجد قلّة بقيت من هؤلاء الذين ساروا معنا منذ البداية.
مبدأ حفظ الأخوان...
لذلك فالرفاق في رحلة يجب أن يكونوا منتبهين لبعضهم بعضاً.
الأصدقاء هم كرفاق مشتركين في رحلة يجب عليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً في الطريق للوصول إلى حياة أسعد.
العالم كنار موقدة... إذا أخذ جسم الإنسان منها أكثر مما ينبغي ستحرقه تماماً:
العالم كنارٍ موقدة، حيث أن قليلها يصلح كي يبعث الدفء في جسم الإنسان،
لكن إذا أخذ منها أكثر مما ينبغي، فإنها ستحرقه تماماً.
العالم كمسرح... والحياة مأساة... وأفضل الأدوار هو دور الحكماء... لأنهم أقرب ما يكونوا للمتفرّجين...
فكّر بالحياة كالآتي: أنت تأتي ترى ثم ترحل...
العالم مثل المسرح وعليه يؤدي العديد من الناس أدوارهم.
الحياة عينها هي علامة المنطلق والمنتهى، مسرحية، مأساة، ملهاة، كما يختارها اللاعبون ليمثلوا أدوارهم فيها.
الذين يلعبون أفضل دور هم الحكماء.
ودورهم هو أن يتعلموا أساليب حياة الأمم كلها، وليميزوا الخير من الشر.
العالم مشهد: الحياة تحول: أنت تأتي، ترى، ثم ترحل.
في مسرح حياة الإنسان يُحفظ لله والملائكة كي يكونوا المتفرجين فقط.