"طوبى صفاء الخلود لِمَن آمن فأمِن، فدخل مع الداخلين مدينة الجمال، فجلسوا على أرائك فيثا الرقيم، وبرمين الأبدي، وديموق المطمئن، وسقرا قرية الدهر، وأفلا الظل، وأرس العلّة، وأفلو النور، وأيامبلي الفيض، فانطلق إلى قاهرة العرش يحمل لسان الثمانية، فتمّت الكلمة وارتقت إلى ريحان سدرة المنتهى..." (الحديث القدسي)

الحكمة القديمة في تقليد شخص أفلوطين

"يا جمال الزمان وأنت آية الإيمان والإياب إلى الأوطان"

"فكأنّي نظرت إليك قديماً وعرفتك بالذكاء والفطنة شخصاً حليماً فأشرقت زهرة ألفاظك في سماء عقلك واضمارك وفكرك وأوهامك وفاح نسيم زهرتك عن صحيح عقيدتك فاستحقّيت بذلك علو المنزلة ورفيع الدرجة..."

 

"أفلو النور" (أفلوطين)

بهاء الحكمة والدين

 (نبذة سريعة عن حياة الحكيم):

أفلوطين (205 / 270 ميلادي) وُلِدَ في "أسيوط" (مصر) لكنه يوناني الأصل ونشأ على المبادىء اليونانية بمساعدة رجل حكيم يُدعى أمنيوس ساخوس. درس الفلسفة في الاسكندرية قبل الالتحاق بالجيش والمشاركة في الحملة العسكرية ضد تركيا، حيث تسنّى له التعرّف أكثر على الحكمة الهندية. ذهب إلى روما عام 244 م حيث درّس حتى العام 268م. ولم يكرّس أفلوطين محاضراته للكتابة إلا في الزمن المتقدّم من عمره. ومثّل أقلوطين الشخصية المحورية التي ألهمت الأفلاطونية الجديدة، واعتُبرَ ممثل لنظام روحي تسلسل بدأ من زمن فيثاغوراس مروراً بزمن سقراط، أفلاطون وأرسطو ووصولاً إلى زمانه. 

شهادة فرفوريوس حول مزايا الحكيم

"أحاول أن أرد ما هو إلهي فينا إلى ما هو إلهي في الوجود"

من كتاب فرفوريوس المتَرجم إلى العربية من ضمن تاسوعات أفلوطين التي نقلها إلى العربية عن الأصل اليوناني الدكتور فريد جبر

حكيم كان لا يطيق صبراً على رسّام يصوّره أو نحّات يمثّله حتى إنه، لما ألحّ عليه في رسم صورة له ردّ قائلاً: "أليس بكافٍ أن نحمل هذه الصورة التي خلعتها علينا الطبيعة، حتى نزيد على ذلك رضانا بأن نخلّف عنها صورة أخرى لها تبقى بعدها، كأنها من الآثار التي تستحقّ المشاهدة."

لما أدرك الثامنة والعشرين انصرف إلى الفلسفة فعرّفوه بمشاهيرها في الاسكندرية؛ ولكنه كان يخرج من حلقاتهم فاتر الهمّة إلى أن قاده يوماً أحد أصحابه إلى حكيم يُدعى أمنيوس، فلما دخل وسمعه قال لصاحبه"هذا هو الرجل الذي كنت أطلبه.."

وأفلوطين إذا كتب لم يطق النظر في ما كتب، بل إنه ما كان يعود قط مرّة واحدة إلى قرائته... لم يتقن رسم الحروف ولم يفصل المقاطع بوضوح ولم يهتم بقواعد الإملاء، بل ظلّ مأخوذاً بالمعنى فقط.

"كنّا جميعاً متعجّبين من أنه بقي يفعل هكذا حتى مماته. كان يضع تصميم موضوعه بينه وبين نفسه منذ البداية حتى النهاية. فإذا عمد بعد ذلك إلى كتابة ما فكّر فيه. أرسل أثناء كتابته كل ما نَظم في نفسه كأنه ينقل عن كتاب. وإذ كان في حوار مع أحد استطاع أن يجمع بين استرساله في الحديث وانصرافه إلى ما هو فيه من نظر، بحيث إنه في آن واحد يقوم بمستلزمات الحوار ويستمر مستغرقاً في تفكيره بالأمور التي كان ينظر فيها. وبعد انصراف محدّثه لا يعود إلى قراءة ما كتب بل يصله فوراً بما كان يليه، كأنه لم تقع فترة انفصال عندما كان يتحدّث.

الكثيرين من الأشراف رجالاً ونساءً كانوا، عند دنو أجلهم، يأتون بأولادهم ذكوراً وإناثاً، ويعهدون إليه بهم وبكل أموالهم، كأنهم أمام حارس مقدّس من عالم الأرباب.

ولذلك كان الغلمان والفتيات يملؤون عليه داره.. هذا وإنه كان يتتبّع بصبر حسابات الأوصياء على هؤلاء الأولاد ويدقّق فيها عن كثب قائلاً: "ما دام هؤلاء الأولاد لم ينقطعوا إلى الفلسفة فلا بد لهم من أن يحفظوا أرزاقهم وغلاتهم بغير مَس".

 ومع ذلك، وبالرغم من مساعدته لكل هؤلاء الناس في مشكلاتهم وهمومهم المعيشية، فإنه لم يتوان قط عن الانصراف إلى أمور الروح ما دام في حال اليقظة. كان لطيفاً أبداً، طوع إشارة كل مَن تصله به علاقة. لقد قام في روما ستة وعشرين سنة، فاتّخذه الكثيرون حَكَماً في خلافات نشبت بينهم، ولم يكن له عدواً قط بين أهل الحكم والسياسة.

إن ألمبيوس الاسكندراني أحد المدّعين بالتفلسف كان يبادر أفلوطين بالاحتقار لأنه كان يحب أن يُقدّم عليه. بل انقلب عليه بحيث راح يحاول عن طريق السحر أن يجعله من النجوم تحت سيّء طالعها. فلمّا أحسّ أن محاولته ترتد عليه أخذ يقول لخلانه أن لأفلوطين نفسا هي من المناعة بحيث تستطيع أن ترُدّ التعزيمات الموجّهة إليه على الذين يريدون به شرّاً.  ويُقال أن جسد المبيوس حينذاك كان ينقبض على ذاته مثل صرّة تصر فتنكمش اعضاؤه بعضها على بعض، فقد كان أكثر تعرّضاً لأن يُصاب هو بشيء منه أن يؤذي افلوطين. فكفّ عن محاولاته.

كان أميليوس محباً للذبائح، فيحيي كل حفلة من حفلات الأهلّة وكل عيد من الأعياد السنوية. وقد همّ يوماً أن يصطحب أفلوطين معه، فقال له أفلوطين: "إن مجيء الالهة إلي أحرى من ذهابي إليها". أما الفكرة التي دفعته إلى هذا التباهي فلم يستطع فهمها أحد أو التجرّؤ على السؤال عنها.

كان لافلوطين فراسة غريبة في طبائع الناس. حدث مثلا أن عقداً ثميناً للأرملة كيوني سُرق يوماً، وكانت تقيم في بيته مع أولادها وقورة كريمة. فأحضر عُمال المنزل أمام أفلوطين، وأخذ يحدّق فيهم جميعاً. ثمّ أشار إلى أحدهم قائلاً: "هذا هو السارق".. فأقرّ السارق وسلّم ما سرقه.

ومن مزايا أفلوطين أيضاً أنه كان يتنبّأ بما سيكون من أمر كل من الأولاد الذين يعيشون معه. ففي بوليموس مثلاً قال انه سيكون من العاشقين ولن يعمر طويلاً. وهكذا كان. ثم إنه شعر يوماً بأنني أنا فرفوريوس (كاتب هذه المذكّرات)، أنوي التخلّص من الحياة، فبادرني في عقر داره حيث كنت أقيم وقتذاك؛ وقال لي أن تلك الرغبة لا تصدر عن حالة نفسية قويمة، بل عن مرض السويداء؛ وأشار عليّ بالسفر. فقنعت منه وجئت إلى صقلية حيث كنت قد سمعت برجل ذائع الصيت، يقيم في ليلوبيوس، اسمه بروبوس. وهكذا نجوت من رغبتي في الموت. ولكن حال ذلك بيني وبين البقاء إلى جانب أفلوطين حتى موته.

كان الإمبراطور جالينوس وزوجته سالونينا يكرّمان أفلوطين ويحترمانه كثيراً. كان في مجالسه حاضر البديهة، قادراً على ابتكار المعاني المفيدة وضبطها. أما كلامه فلا يخلو من لكنة، وقد تتسرّب بعض الأخطاء اللغوية إلى كتاباته. وفي حديثه كان وجهه يعكس نور روحه وصفاء ذهنه. وما كان أجمله آنذاك: فضلاً عن الظرف الذي كان يتحلّى به دائماً. كان يتصبّب وجهه عرقاً ويرافق سداد قوله أنس ولطف مع مَن يسألونه. ولقد بقيت أنا فرفوريوس، مدّة ثلاثة أيام أسأله عن كيفية اتّحاد النفس بالجسد وهو لا يني ويدلّني ببراهينه.

أسلوب افلوطين في الكتابة موجز قليل الألفاظ كثير المعاني. عمد إلى تعاليم أفلاطون وإلى "ما وراء الطبيعة" لأرسطو. وكان لا يكتفي بقراءة الشروح فقط، بل يأتي بنظريات يستمدّها من ذاته. على انه سرعان ما كان ينهي ذلك كله، فيقول بإيجاز معنى ما تنطوي عليه النظرية العميقة ثم ينهض ويقف. وفي أحد الحفلات بإحياء ذكرى أفلاطون قرأت قصيدة "في الزواج المقدّس"، فعالجتُ موضوعي معالجة الملهَم، مسترسلاً من الفن السرّي الباطن. فقال بعضهم "لقد جنّ فرفوريوس" فقال أفلوطين على مسمع الجميع: "لقد أثبتّ في آن واحد أنك شاعر وفيلسوف وعارف/مُلهَم".

وكان الكثير من الفلاسفة والمتديّنين آنذاك يلقوا بنظريات استفزازية مستمدّة من فهمهم المحدود لأفلاطون على مسامع أفلوطين، منهم ممَن طلب افلوطين منّي الردّ عليهم.

وكما يقول هزيودس: "علام هذه الثرثرة قرب السنديانة أو الصخرة". فإذا لم يكن من الرجوع إلى شهادة الحكماء، فمَن يفوق حكمة الرب ذلك الذي قال حقاً:

إنني أحصي عدد حبّات الرمل، وأعرف حدود البحر

إنني أفهم عن الأخرس وأسمع عن الأبكم

لقد كان أبولون دقيقاً إذ قال في سقراط: "سقراط أوسع جميع الناس حكمة"

 

فاسمعوا كم وكيف كان ما قال عندما سأله أميليوس عن مقر نفس أفلوطين.

ها إنني استهلّ النغم بأنشودة خالدة لتُغَنّى بها:

أخرجتها لصديق عزيز، وكأنه في عذوبة العسل

 

صوت قيثارتي الناغم إذ تضرُب بالريشة الذهبية

كما انني استحضر ربّات الشعر لتسمع أصواتها المتشابكة

(مصعّدة) الألحان المتنوعة الموقّعة على حركات الرقص المتناسقة!

كذلك استحضِرْن، على شرف سبيل اياكيدسن لإقامة الحلقة

حيث رافَقت حماس الخالدين أناشيد هوميروس.

هلُمّن يا ربّات الشعر بجوقِكُنّ المقدّس، ولنصعدن

بنفس واحد أرقى كلّ غناء.

 

ها إنني بينكُنّ، أنا فيبوس، صاحب الشعر المكثّف المسترسل.

إنك أيها الملاك قد كنت قبل من البشر. وقد أدركت الآن عالم الملائكة

فازددت قرباً من الربوبية، إذ حللت قيود الضرورة

التي تلزم البشر. أما جوارحك المهيّجة الرغبات

فلقد قهرتها ببأس القلب، وإلى ساحل البر المطمئن

نشطت سابحاً, من حومة الرذائل تخلّصت،

وأثبتّ قدم نفسك الطاهرة مسترسلاً سهلاً

حيث يسطع النور الربّاني، ويقوم العدل

بنصاعتهن فلا ظُلمٌ ولا رذيلة.

 

كنت في ماضيك تنهض لتنجو من بطش أمواج

الحياة المديمة وأعاصيرها المعيفة.

ويومذاك، إذ كنت في خضم اليمّ الهائج الغدّار،

من مقامات السعادة، ما أكثر ما ظهرت لك الغاية دانية!

ما أكثر ما كانت رمقات روحك تميل في الشعاب،

إذ تسير مندفعة من تلقاء ذاتها،

فيرفعها، فوق الأفلاك، إلى السير السويّ المستديم،

 

أرباب الخلود يكاشفونك بأشعّة أنوارهم،

فتُبصرها بأم العين،

إن السُبات العميق لم يستولِ قط على جفونك،

بل كنت، بتلك الجفون، من وصادك المطبق

القاتم، في خضم الأعاصير، تندفع فترى بعينك

الكثير والرائع من الأمور التي ربما ما رآها

من بين البشر مَن كان أشدهم بحثاً عن الحكمة.

 

والآن وقد فَلَتّ من سَكَنِك، وفارقَت رمسَها

نفسُك الملائكية، دخلت حلقات الملائكة

حيث تلطف النسمات وتطيب

هنا تجد الصداقة، والجذب الناعم

الحافل باللذّة البريئة، فترتوي دائماً

من جداول الرحيق الربّاني وتصبح أشواقك

في سكينة. فما أحلى النسيم هنا، وما أشفّ الأثير!

هنا مقام اللذين أنجب "زوس" العظيم في الأجيال "الأبريزية"،

الأخوان مينوس وردمنتوس. هنا البار

أياكيدس، وهنا افلاطون، صاحب النفس الزكية، بل الجميل المُحيا

فيثاغوراس: كل المترافقين إلى حلقات الحب

الخالد، كل الذين قُدّر لهم ان يُحصو من بين سُلالة

الملائكة أهل السعادة. هنا يحل القلب، في ازدهار

اللذّة المستمر، بالابتهاج! طوبى لك. ما أكثر

ما كان جهادك! فإنك بين أطهار الملائكة.

لقد تدرّعت بنشاط الحياة، فأصبحت اليوم من خلانهم!

حسبكن رقصاً وغناء. حسبكن إحياء الحلقات المُحكَمات الاستدارة

إكراماً لأفلوطين، يا ربّات الشعر! اكففن عن المباهج! بل هذا حسبها

قيثارتي الذهبية، إنباءً على ذلك السعيد في الخلود.

عودة إلى الصفحة الرئيسية