|
|
أفلو النور (أفلوطين) حول السعادة
"قلّوا الاعتراض بما يظهر لكم من خير وشر وإحسان وضر تخف عنكم المحنة وتكشف عنكم الغمّة فليس بين عالم العقل وعالم الجهل فرق سوى الرضى والتسليم والرضى والتسليم نهاية العلم والتعليم..."
من تاسوعات أفلوطين المترجمة إلى العربية
هل تزداد السعادة على مر الزمن؟
قد يُقال أن لدينا رغبة دائمة في الحياة وفي الفعل، فهل تحقيق تلك الرغبة يزيد من السعادة؟
فنجيب: إذا كان ذلك كذلك أصبحت سعادة الغد أعظم من سعادة اليوم، وتاليها أهم من سابقها، وما عادت السعادة تُقاس بالفضيلة...
الرغبة إذا بلغت غرضها أدركت شيئاً حاضراً، وإذا كنا نريد ما سيكون أو ما بعده، فإنما نريد ما لدينا وما نحن عليه، لا ما مضى ولا ما سيكون...
إذاً، السعادة حالة تركيز في الحاضر، فما هو الشقاء إذاً؟
والشقي؟ ألا يزداد شقاءً مع الزمن؟ ألا تزيد جميع الظروف الشاقة في شقائنا على مرّ الزمن كالآلام والأوجاع المزمنة وما إلى ذلك من أحوال؟ وإذا كان الشر يزيد مع مرور الزمن، فلماذا لا يكون كذلك فيما يقابله،/أعني السعادة"
لو بقي الشر أو الضرر على ما هو عليه في الحاضر، ولو كان الشقي لا يعتبر ما مضى ويقارنه بما يتم الآن، لما كان الشقاء شقاء.
فالواجب إذاً أن ننظر إلى الحالة الحاضرة ولا نجمع معها الحالة الماضية، ولا ننظر إلى المستقبل ونقول إنه بقدر ما ازداد الزمن ازدادت السعادة، إنّا بذلك نقسّم السعادة بتقسيمات الزمان... وأن نقول أن سعادة مضت لا تزال حاضرة، وأنها أشدّ من السعادة التي هي في الحال، فتلك هي الحماقة.
وإذا قال قائل إن ذكرى الأمور الماضية إذا بقيت حاضرة في الحال تزيد في سعادة مَن امتد به زمان السعادة، فما معنى تلك الذكرى؟ أنعني بها ذكرى الفطنة التي حصلت فيما مضى؟ فيعود ذلك إلى أن صاحب تلك الفطنة أصبح أشد فطنة، ونكون نحن قد خرجنا عن موضوعنا؟ أو نعني بها ذكرى اللذّة، فكأن السعيد في حاجة إلى مزيد من الفرح، ولا يكتفي بالفرح اللذي لديه؟ ثمّ بماذا تكون ذكرى اللذة لذيذة؟ أين اللذة مثلاً في أن يذكر أحدهم أنه تناول البارحة غذاءً لذيذاً؟ وإذا مضى على ذلك، عشر سنوات، فالأمر أشد إثارة للضحك؛ وفيما يختص بالفطنة، ما هي اللذة التي تحصل لي من تذكّري/ أنني كنت العام الماضي فطناً؟
ذلك لأن السعادة إنما تبدو أمراً ململماً متماسك الذات، في حين أن الزمان الذي يضاف إلى اللحظة الحاضرة، إنما يعني تبديداً لوحدة ما حاصلة في اللحظة الحاضرة.
وعليه بالصواب يُقال:
إن الزمان صورة للأبد
وإن النفس، فيما أصبح منها مبدّداً في الزمن تحاول أن تبطل الباقي فيها من العالم الأعلى. وهذا هو الشقاء الأعظم المتراكم عبر الزمن.