العقل في المفهوم اليوناني

فيثاغوراس:

الفلسفة = حب الحكمة

الحكمة = علم الحقيقة

لمَن يطلبون الله عن غير طريق المعرفة والحكمة والعقل، يقول فيثاغوراس:

أجل،

"توجد أشياء في نظام الكون الكامل التناغم أكثر ممّا تتصوّره الفلسفة..."

لكن،

"مَن ينشد أن يعرف يجب أن يتعلّم بادىء ذي بدء أن يتصوّر..."

هكذا،

"... يصل الإنسان كي لا يفاجأه أو يذهله أي شيء."

إما التصوّر، أو التوهّم = إما التذكّر أو النسيان = إما العقل أو الشيطان

"التصوّر هو التذكّر للحالات الروحيّة... في حين أن التوهّم هو النتاج للعقل المادي المضطرب..."

يمكن اختصار المفهوم الفيثاغوري للعقل بالتالي:

هناك عقلان:

العقل الذي يتصوّر في الحقائق الروحية الأزلية: العقل الأرفع  (عمله التصوّر للمعاني التي تسبق الأحداث الخارجية سبقاً جوهرياً أي المعاني التي تتحرّك الأحداث لكي تجسّدها، وتنسب إليه قوّة الحدس أو التنبؤ بالحاصل) ويُشار إليه بعالم الروح أو السابق هو والوسيط الأوحد بين عالم الحق (أي الواحد أو الله) وعالم النفس.

العقل الذي يتوهّم في الأمور الخارجية المتغيّرة: العقل الدخيل المكتسب (عمله تسلسلي حسّي متغيّر بالتغيّرات الخارجية  للأحداث، متاثّر بعنصري الزمان والمكان، وتُنسب إليه قوّة الفكر) ويُشار إليه بالضد وهو اللاحق (اي يسبقه العقل الأرفع) وهو العنصر المشوّش المتدخّل في الأفكار غرضه إضعاف قوّة الحدس، والحؤول دون تلقّي النفس لهذه القوّة من عالم الروح أي الحائل دون مشاهدة النفس للحق والبقاء في عالم الوحدة.

حالة الابتعاد عن العقل الأرفع بنظر الفيثاغوريين = حالة جنون، ولذلك سُمّي القوم الذين خرجوا عن تعاليم "العقل" في الأدوار القديمة بقوم الجن...

أبناء العقل الأرفع يتميّزون بحب الحكمة، ويطلبونها بالـعلم الحقيقي أي المعرفة

لذلك، فإن أبناء العقل الأرفع يتصوّرون السعادة التي تنتظرهم، أما أبناء العقل الدخيل المكتسب لا يتصوّرون الشقاء الذي ينتظرهم. 

وحدهم أبناء العقل الأرفع يتخطّون عقدة القيامة أو "الثواب والعقاب الأبدي" بقدرتهم على تصوّر السعادة الحقيقية، أما أبناء العقل الدخيل المكتسب يفتقرون قدرة تصوّر السعادة الحقيقية فينتظرونها لتأتي في زمن أو حدث لاحق ربما في عالم آخر غير الأرض، فيصبح الانتظار لديهم نوع من العقاب –  وينتظرون  إلى أن تصبح حياتهم على الأرض جحيما ًيطغي عليه طابع الجهل والنسيان  فيطلبون القيامة أو الخلاص لكن لا يطلبونه حباً بالـحكمة بل هروباً من الواقع، ولا يدركون أن الافتقار للرؤية الحقيقية للواقع والانتظار هما عتبة النار الأبدية...

إن النفس ما دامت تتوجّه بنظرها إلى عالم الروح (العقل الأرفع) هي دائماً في حالة مشاهدة،  حالة سكون دائم مع الحق أو الواحد خالٍ من أي فعل أو انفعال.

أما إذا بادرت النفس بالانقياد وراء إيحاءات العقل الدخيل المكتسب تهبط من حالة السكون في المشاهدة إلى حالة الانفعال الذي يقود إلى التصرّف،  فهي بذلك تتعدّى حدود المعرفة، ويحول تصرّفها الانفعالي هذا بينها وبين عالم العقل فتنحجب عنها الرؤية.

كيف؟

عندما يتأثر الناظر بالمشهد أو بالحدث الخارجي تنفعل النفس حسّياً، فيصدر عن هذا الانفعال تصرّفات انفعالية تحجب الرؤية وتُثقل النفس بثقل "المعنى الحسّي للحدث أو الهيولى الكثيفة المادية التي تضفي ثقلها على المشهد" لتدفعها (اي النفس) هبوطاً من حالة المشاهدة  إلى حالة من "الغيبوبة" حيث تصبح النفس داخل المشهد  متأثّرة بالأحداث التي تدور فيه طالبة المعنى بالعمل (أي من خلال لعب دور في الأحداث) ناسية لما كانت عليه من بساطة في طلب المعنى بالمشاهدة للمعاني التي تتحرّك الأحداث لتجسيدها.

كيف؟

توضيح الحكيم أفلوطين:

"إن العمل  إذا تم، يتم وفقاً لما يستلزمه معناه، فالمعنى شيء يختلف عن العمل وهو الذي يسيّر العمل، وما دام المعنى ليس عملاً بل معنى فقط فهو مشاهدة... أما المعنى المتكيّف بتكيّفات الأشكال المنظورة فهو الأخير بين المعاني وهو معنى جامد لم يبقَ لديه ما يسعه أن يحدث به معنى آخر..."

"ثمة مشاهدة أخرى غير مشاهدة الطبيعة وهي أشد وضوحاً... إذ ضعفت المشاهدة لدى الآدمي، انصرف إلى العمل الذي هو ظل للمشاهدة وللعقل. لا يسعه أن يبقى في المشاهدة آنذاك بسبب الضعف المستحكم في نفسه. كما أنه لا يقوى على أن يُدرِك المشاهَد بذاته فينصرف إلى العمل حتى يبصر بالعين ما لم يسعه أن يعرفه بالروح. واقل ما يُقال فيه عندما يعمل، هو أنه يحاول أن يرى... فإننا نجد دائماً إن الصنع أوالعمل إنما هو ضعف في المشاهدة أو تعقّب لها."

عودة إلى الصفحة الرئيسية