"أين العدل على الأرض؟!!" اعتراض الجهلاء

 من خشي من بشر مثله سلّط عليه 

 إن سنّة المعارك تقتضي بوجوب النجاة لذوي الشجاعة لا لذوي العبادة؛ كما إنه لا يجني ثمار الأرض مَن كان منصرفاً إلى العبادة بل إلى تفقّد الأرض

قسّم أفلاطون طبيعة الأنفس إلى ثلاثة أقسام يمكن اختصارها بقسمين:

أنفس نيّرة تمثِّل الوجود

أنفس مظلمة تمثِّل العدم

الوجود = يقين

العدم = شك

قد قُدّر للأنفس المظلمة بأن يكون لها الحكم والسلطة في العالم المادي امتحاناً للأنفس النيِّرة التي إذ ما تغلبّت على الشك في داخلها أحاطت بمعنى الوجود وانتهى دور أبناء الظلمة في عالمها، فهم لا يمثِّلون إلا مهنى الشك ولا وجود للشك عند اكتمال اليقين في الأنفس النيّرة.

أما إذا تخاذلت الأنفس النيّرة عن القيام بدورها، يكون جزاؤها غيبوبتها

والغيبوبة = كابوس يسيطر فيه أبناء الظلمة على زمام الأمور في العالم

وبهذا الصدد يقول أفلوطين في تاسوعاته المترجمة إلى العربية "تاسوعات أفلوطين":

"كون الأشرار أصحاب الأمر في البلاد والأخيار عبيداً لهم، أليس في كل ذلك حكمة ولو كان لا يزيد شيئاً على ما لدينا من خير أو من شر؟

وما أعظم ما يرتكبه الرديء من معصيات إذا ساد؛ وإذا تمّ الفوز له في الحرب،/ ما أقبح ما يعامل به أسراه. وإن كل هذه الأمور لتجعلنا نتساءل حائرين في أنها كيف تقع لو كان للعناية (أي العناية الإلهية) وجود."

"من المهم أن يثبت لدينا أن اللوم، في كل ذلك الذي سبق ذكره، لا يقع على العناية مهما كان ما غدت الأوضاع عليه. ولكن ما عسانا نقول عندما نشاهد أحوال الذين هم الأردياء على طرفي نقيض، فالصالحون فقراء والأردياء أغنياء،/ يملكون من المال، وهم أقل الناس شأناً وعدداً، أضعاف ما يحتاج إليه الناس من المال، ثم أنهم أصحاب الأمر والنهي في الأمم والبلدان وهي كلها لهم؟ هل الأمر كذلك لأن العناية (الإلهية) لا تمتد إلى الأرض فتشملها بنفوذها؟"

"قد يدعو وجود الظلم بين الآدميين إلى الاستغراب لأننا نرى أن الآدميّ أشرف ما في العالم الكلّي، زاعمين أن ليس من شيء يفوقه عقلاً وحكمة. فالواقع هو أن الآدميّ قائم بين عالم الأرباب وعالم الحيوان، وهو يميل إلى الطرفين معاً، فمن الآدميين مَن يتشبّهون بالطرف الأول، ومنهم من يتشبّهون/ بالطرف الآخر، ومنهم مَن يستوون بين بين وهم الأكثرون عدداً."

من يتشبّهون بالطرف الأول = أبناء النور

من يتشبّهون بالطرف الآخر = أبناء الظلمة

من يستوون في الوسط = سلاح يستعمله أبناء الظلمة ليقاوموا به أبناء النور.

"فإنهم يجرّون الذين في الوسط ويعنِّفون بهم؛" =  يستغلّون جهل الأكثرية لحقيقة الصراع القائم بينهم وبين أبناء النور ويستعملونهم كسلاح لإيذاء أبناء النور.

"وقد يكون أهل الوسط يزيدونهم فضلاً، ومع ذلك فإنهم ينقادون لهم بالرغم أن هؤلاء الأردياء دونهم شأناً، وذلك من حيث أنهم هم (أي أهل الوسط) أيضاً أدنياء وليسوا صالحين"

"ألا كيف لا يحق لصاحب القانون أن يسمح بأن يعاني هؤلاء تلك المعاملة عقاباً على كسلهم واسترخائهم إذ إنهم دُلّوا على ساحات التمرّن ولكنهم استسلموا إلى الكسل وإلى الحياة الناعمة الرخية فما بهم إلا ويرون أنفسهم قد أصبحوا حملاناً مسمّنة هانت على الذئاب فريسة/؟"

هكذا يبرّر أفلوطين سيطرة أهل الشر في العالم، إذ أنه لا يجعل هذه السيطرة وكأنها بمعزل عن تدخُّل العناية الإلهية، بل بنظره هي نوع من الخير الذي قد يعتبرونه الأكثرية من الحملان شراً. إذ يكمل أفلوطين قوله موضحاً سر العدل الإلهي بال"عناية" قائلاً:

"ولا يجب هنا على الله أن يقاتل هو عن الأعزال؛ فإن سنّة المعارك تقتضي بوجوب النجاة لذوي الشجاعة لا لذوي العبادة؛ كما إنه لا يجني ثمار الأرض مَن كان منصرفاً إلى العبادة بل إلى تفقّد الأرض، ولا يكونن صحيح البدن مَن لا يهتم بصحته."

من الواضح أن أفلوطين يميّز بين المعرفة والتديّن، إذ أن سبيل النجاة ليس بالإفراط في التديّن لدرجة العجز عن التأثير على أرض الواقع

أليس كل إنسان معنيين بالصراع الذي يدور في عالمه؟ وهل لأي رجل دين مأوى خارج هذا الصراع؟

قمّة الأنانية وحب النفس تكمن في انتظار البعض للخلاص والانتقال إلى جنة مكتتفي الأيدي ومنعزلين وغير معنيين بما يدور في العالم منتظرين الزمن الذي يصبحون فيه شعب الله المختار.

لقد كانت هذه النظرية بحد ذاتها أكبر امتحان للنفوس، فباسمها وقعت أشد المظالم وأكثر الحروب دموية عبر التاريخ.

 لهؤلاء يقول "أفلو النور" (أفلوطين):

"يجب إلا تمتعظوا من توافُر ثمار الأرض للأردياء إذا انفردوا هم بالحراثة أو كانت حراثتهم أشد إتقاناً. وبعد فإنه لعمري من السخر/ أن يتصرّف الناس في سائر نواحي حياتهم بحسب ما يروقهم هم، حتى لو كان هذا التصرّف بحيث لا يحظى برضى الأرباب، ثم لا يتوقّون من الأرباب إلا النجاة./ فإن الموت خير لكم من الحياة وهي على وضع لا ترضى به سنن العالم الكلّي. وإذا وقعت المعاكسات بعد ذلك وبقيتم آمنين سالمين بالرغم مما أنتم عليه من جهل وشر، لكان في ذلك إهمال من العناية في ما من شأنها أن تهتم به، إذ إنها بذلك تتيح السؤدد للشر والجهل الذي أنتم عليه./ فإن الأردياء لا يصبحون أصحاب النهي إلا بتخاذُل مَن ينقادون لهم منكم. والصواب هو هذا، لا ما هو على خلافه."

ويربط أفلوطين بين الحكمة من وراء العنانية الإلهية التي شاءت هكذا قدر وبين الحكمة الكونية وصراع النفس الكلية موضّحا أهمية دور أبناء النور في العالم المادي وخطورة أن يتنحّوا عن هذا الدور بحجة الزهد أو العبادة فيكمل قائلاً:

"ذلك لأنه يجب في العناية إلا تكون بحيث تصيّرنا بمنزلة  العدم؛ وإذا كانت لعناية هذه الأشياء كلّها، وكانت موجودة هي وحدها، فليس لشيء قط وجود؛ وبأي شيء تكون عناية؟ فإنه لا وجود حينذاك

إلا للعالم الربّأني"

عودة إلى الصفحة الرئيسية