"كل ممكن الحدوث هو ممكن ذاتي لا عكس"

قد يلاحظ الذهن أحياناً أن ما يحدث في العالم الخارجي هو ما يتصوّر حدوثه في هذه اللحظة، لكنه رغم ذلك يبحث عن علّة هذا الحدوث في ما هو خارجي، وقد يتصوّر في وقت آخر حدوث شيء ما ولا يعير هذا التصوّر انتباهاً مع أنه العلّة الحقيقية لحدوث الأشياء.

فالحدوث الخارجي لا ينفصل عن الذهني انفصال زمني، بل الحدوث الخارجي يرافق الموجود في الذهن كمرافقة الصفة للموصوف  ويوضح كيفيته، وليس هو علّة لما يتسلسل بعده من أحداث في الخارج.

ثمّ والأسباب الخارجية مهما قوي ارتباطها بالحدث لا تكفي لوقوعه ما لم يبلغ حد الوجوب الحقيقي، وهاكم مثلاً:

لو كان علّة حركة حجر ما عن الأرض عشرة أشخاص، كان الشخص الواحد بمفرده علّة تامّة لحدوث هذه الحركة، لأن وجوده هو أشبه بسببٍ لاستحالة عدم التحرّك، وأن لا يكون وجوده سبباً لاستحالة عدم التحرّك، بل يبقى التحرّك محالاً بعد وجود هذا الشخص هو ما قُصِد من عَدَم الكفاية.

بمعنى آخر، إن خطوات رجل يركض، إذا تسلسلت العين في متابعتها طالبة الأسباب الخارجية لحدوثها، أصبحت الخطوة السابقة علة تامّة وأولوية خارجية لحدوث الخطوة التالية، أما معنى الركض بعين الناظرمن بعيد لا يزداد أو ينقص بتتالي الخطوات أو ازديادها ولا يكتمل بمتابعتها لاكتشاف منتهاها.

لذا فإن معنى الركض لا يحتاج إلى المدّة والمادة لكي يتحقّق، بل أن الأسباب والأولويات الخارجية لحدوث الحركة تدخل عالم الوجود من خلال ثبوتية هذا المعنى في ذهن الناظر، و"أي فعل يفتقر إلى تصوّر جزئي ليتشخّص به الفعل، ثمّ شوق ثمّ إرادة، ثمّ حركة من العضلات..."

لذلك فإن معنى الركض قديم لا يُعقَل استناد حدوثه إلى حركة العضلات، إذ أن هذه الحركة إنما تتأخّر عن معنى الركض كتأخّر الصفة عن الموصوف، وهكذا تأخّر ليس تسلسليا زمنياً كتأخر الخطوة الثانية عن الخطوة الأولى، بل جوهريا كتأخّر شكل تفاحة عن كونها تفاحة.

عودة إلى الصفحة الرئيسية