|
|
اسم الله
أسم الله ليس مجرد أحرف صوتية يلفظها اللسان، بل صورة آدمية معرفتها تفضي إلى حقيقة الإنسان، ولا تلبّي إلا نداء مَن يعرفها.
وفيما تُشع حكمته على آدم الصفاء تظهر أرتسامات أسراره على الوجوه، لأن آدم يعكس صورته، ولقد حاز على رضاه وثقته، لذا فإن صورة آدم هي مرتسم حدود للعدم وشمس الوجود التي تنير بضوئها عتمة الأثير اللامتناهي...
آدم هو ثمرة الأب. هو الباب والوسيلة التي تعيد الأشياء إلى الأب. والأب كشف بالصورة الآدمية إبداعه الأقدس لعل عبرها تدركه العصور وتنتهي إلى حقيقته رحلة البحث عنه لتستقر في قلب "آدم" حيث الراحة الكبرى...
حينما تتحّد البصائر بالأنوار تتوحّد أجزاء الفكر في الصور، فتنتفي الأشكال لتعكس صورة الواحد...
وكما تتبدد الظلمة حين يبزغ الفجر استعداداً لطلوع الشمس، كذلك تنمحق الكثرة بحضور الوحدة. وحتماً من هذه اللحظة ليس ثمة أشكال بعد، بل أنها تذوي مندمجة في صورة ليست كالصور فيها تكمن معاني الوحدة وبها يتوحّد كل منا مع ذاته فيطهرها من الكثرة ليلتهم النور الظلمة والحياة الموت.
هذا هو تجلي الأب وفيضه للعصور، لقد أظهر ذاته لتعرفها الذوات، ولكن الذوات معدومة في حضرة تلك الذات. فلا تستمد الموجودات وجودها إلا من فيض وجوده، ولا الهويات كيانها إلا من فيض هويته، ولا البصائر أنوارها إلا من نور بصيرته، ولا الصور قوالبها إلا من فيض صورته، ولم تكن لتوجَد الأشياء أو تعرف على ما هي لولا اكتسابها مظهر من مظاهر وحدته، أو تُدرَك الصفات لولا تلقّيها اسم من اسمائه. فالأب هو حاكم الوجود، ومَن عرف اسمه حَكَم على نفسه بالوجود، ومَن جهل اسمه حَكَم على نفسه بالعدم.
لقد ظهر الابن لينبئهم عن الأب. البعض تلقوا النور وتوجّهوا إليه، والبعض الآخر كانوا غرباء ولم يدركوا سر الأب في الإبن وسر الإبن في الأب، لأنه جاء كبشر مثلنا ليزيل كل العوائق من الطريق. إنه الراعي الذي ترك خرافه التسعة والتسعين التي في الحظيرة ليذهب باحثاً عن ذاك الذي تاه. وكم ابتهج حينما وجده، لأن التسعة والتسعين هو الرقم الذي يمسكه في يسراه، وفي اللحظة التي وجد فيها الضال انطلق الرقم كاملاً إلى يمناه. وبذلك يكتمل الرقم مئة وهو يرمز إلى الأب.
ولقد أشار إلى النهار السماوي الذي لا ليل فيه، وللشمس التي لا تغيب، لينبئنا بأن في قلوبنا تكمن مدينة ذلك الإسم وفيها يشع نور ذاك النهار المقدس.
فمَن هو الذي يملك مفتاح الدخول إلى تلك المدينة؟ اليس حينما يأتي الصباح يُدرِك الجاهل بنفسه ما احتوت عليه نفسه من عدم عندما اهتزّت لأوهام الليل.
فوحده جهل الإنسان للأب يصنع وجوداً للعَدَم. وحينما يستفيق الجاهل من غفلة جهله يدرك أن كل هذا أضغاث أحلام. فمبارك هو من يستفيق من غفلته، ومبارك هو من يفتح عيون الذين لا يبصرون.
هذا هو التواجد في فكر الأب، وهذا هو التماثُل بصورته. كل تعبير على الوجه أو كلمة صدق ينطق بها اللسان هي فعل من أفعال إرادته لأنها كانت في أعماق اللوغوس الذي كان في البدء، كل هذا كان في فكر الأب معقولاً قبل أن يتجلّى في الصور.
لا شيء يوجَد من دون آدم ولا شيء يُعرَف دون الصورة الآدمية، فإرادة الأبن هي علامة وجود الأب. إنها إرادة الرب ومن الرب انطلقت البدايات وإليه تؤوب النهايات من جديد لأنها تجلت إلى الوجود للاحتفال بمجده وفرح اسمه.
فلا تخافوا "النهاية" لأن كل نهاية يحكمها العقل يكمن فيها لحن تلك البداية التي لا نهاية لها، فهلموا إلى بداية البدايات على مشارف نهاية النهايات، فهي غاية الغايات، لأن لا غاية لها في وجودها سوى المعرفة، فتطهّروا بشمس تلك المعرفة من خطيئة الحواس، فبنورها ترتسم حدود الأشكال، فتظهر صورة الواحد، فلا موت بعد اليوم سوى بالحياة.