أفلوطين 

تتمحور حكمة أفلوطين حول عملية الإصدار اللامتناهي المنبعث عن الواحد الذي يشبهّه أفلوطين بأشعة الشمس.

عالم الواحد

"ارجعوا البصر كرّات، ثمّ ارجعوها قبل الوجود، حين كان ولم يكن شيء، وكان هذا الشيء في كنز العدم. نعم لقد كان المنزّه عن الموجودات وكان الجمال المطلق المنزّه عن قيد المظاهر، كان نوره لا يفيض إلا من ذاته على ذاته. ولم تكن الذوات، وقد كانت تلك العروس الفاتنة الحسن، الكاملة الجمال، في محراب تعبّد جمال ذاتها، وقد غلّقت أبواب حجرة غيبتها، وبرِئت معاطفها من تهمة العيب وأذيالها من وصمة السوء، فلا مرآة لديها ينعكس فيها ضوء جمال وجهها، ولا مشط تنساب أسنانه في ذوائبها، وما فصَل الصبا من تلك الذوائب شعرةً، ولم تكتحل عيناها بكحل الميقات، ولم يكن ذلك البلبل جاراً لوردتها، وما فتئت تغنّي لنفسها بجمالها، وتلاعب نفسها لعبة العشق حول ملاعب وحدتها. ولكن للجمال والكمال ثورةً، فهو بها رهين، فشأنه يضيق صبراً ببقائه مجهولاً خلف الحجاب أو وراء الباب، وإلا استشرف السور السور وعلاه، أو فتح الأبواب."

فالذي يحقّق الكمال في كيانه، بنظر أفلوطين، لا يبقي على هذا الكمال لنفسه، بل يشع به، وهكذا يصف أفلوطين دوافع الإبداع.

كيف يتم الإبداع؟

وفقاً لأفلوطين، يتم إبداع الخلق عبر إصدار صورة خارجية تصوّر ما يكمن في الداخل.

فإن العقل مثلاً هو الإصدار الأول لذات الواحد العظمى وهو الصورة الأكثر تعبيراً عن الواحد المنزّه عن الشكل أو الحد، والنفس هي الإصدار الثاني الذي ينبثق تلقائياً عن العقل وهي الصورة التي تعبّر عن العقل، والكون هو الإصدار الثالث وهو الصورة التي تعبّر عن النفس، وهكذا، كلما ابتعد الخلق عن الذات العظمى كلما اعتراه النقص وعبّرت حركته أكثر فأكثر عن الحاجة إلى الواحد الأصل الناتجة عن هذا الابتعاد، إلى أن نصل إلى صورة المادة وحركتها بالمطلق والتي هي في تغيّر دائم وهي في حالة من الافتقار للهوية إلى الحد الذي لا يمكن رؤيتها مجرّدة عن الصور التي تعتريها، فهي كمن يغطّي بشاعة وجهه بالقناع، وقناعها هي الأشكال المعنوية التي تتّخذ من المادة قالباً لها. فانظر إلى هذه التفاحة مثلاً:

فلولا الحدود التي ترسمها شكل التفاحة ولونها وحجمها في الأثير لما استطاع الناظر تمييزها كمادة.

وينقض أفلوطين الصورة التقليدية للإله الذي يفعل بالقصد، أي يكون فعله مسبوقاً بالقصد سبقاً زمانياً، لأن كل ما يتعرّض لعامل الزمان والمكان يتعرّض تلقائياً للنقص، والنقص هاهنا هو الإمكان أو الامتناع، أي إمكانية تحقّق ما في القصد أو إمكانية عدم تحقّقه أو تحقّقه بصورة غير مطابقة للقصد. وإذا كان الفعل غير مطابق للصورة الأصل لا يمكنه أن يعبّر بصورة صحيحية عن الفاعل (أي يختلف الخارج عن الداخل):

العلم الخامس الخاص:

"أن الفعل القديم حقاً (أي القديم قِدَماً جوهرياً وليس قِدَماً زمانياً) لا يعقل استناده إلى الفاعل المُختار، إذ المختار إنما يفعل بالقصد، فيكون القصد متقدّماً على فعله، فلا يكون قديماً، إنما القديم يستند إلى الفاعل الموجِب أي أن فعله يلزمه هنا والآن وفي كل زمان ومكان كلزوم الزوجية للأربعة، ولا يفتقر إلى المدة والمادة لكي يتحقّق... ولا قديم سوى الخالق تعالى، فإن كل ما سواه ممكن، وكل ممكن محتاج إلى العلّة، والعلّة لما كان الخالق تعالى، وهو فاعل بالإرادة، فمعلوله بعد الإرادة، فلا قديم أصلاً سواه"

والإرادة في الحكمة القديمة هي العقل

وبما يتعلّق بالوجود الفائق الكمال (أي الخالق أو كما يعرّفه أفلوطين بالـ "واحد")، فإنه فقط يصدر عنه أعظم ما في العوالم التي هي أدنى منه، وهو عالم "العقل الكلّي".

وكل شيء أدنى من عالم العقل دار في دائرة العقل ووقع تحت حكمه. وبتعريف أفلوطين، فإن العقل الكلّي هو في احتياج دائم ومباشر للخالق، ولذلك سُمّي في الحكمة القديمة بـ "ذو معه"، وهو في حالة تأمّل للواحد غير منقطعة واكتفاء ذاتي مستديم إذ أن على مستوى الوجود المرتبط بعالم العقل يتوحّد الناظر مع المنظور وينتفي عنصر الفكر المقترن بثنائية المعرفة (أي إدراك الناظر لانفصاله عن المنظر). ولذلك وصفت الحكمة القديمة حالة الواصلين إلى حقيقة الوجود:

"سُلِبوا ما وُهبوا وأُسقَط عنهم ما وُجِبوا وتطهّر حبهم عن تدبير العقول..."

ولهذا السبب كان تعريف السعادة بـ "أنها مناظر، والإرادة بأنها الإطار المحيط بها..." أي أن الهدف من الإطار هو أن يُرى المنظر، ولولا الإطار لِما حُدّدت الرؤية للنظر،

لكن 

إذا حاول النظر الإحاطة بالإطار انشغل به عن المنظر، واهتزّت الصورة...

فلا لِم ولا كيف إذاً هو سبيل البقاء في المنظر، وهذه هي حالة التواجد مع الواحد، لأن التضرّر يقع في إثبات هذا التواجد بالتساؤل عن سببه والانشغال بالإطار، والتساؤل هو من شروط النقص والحاجة.

وهذا الإطار هو ممثول العقل الكلي، ومَن يحاول الوصول إلى الخالق من غير التوحّد مع العقل هو كَمَن يحاول الاستغراق في المنظر من غير أن يصبح هو والإطار واحد،

فهو كَمَن تشغله صورة المخلص في السيد المسيح عن معرفة معنى الخلاص، أو كَمَن تشغله عظمة معجزات المخلّص عن نور الله الذي تعبّر عنه تلك المعجزات. وكم حذر السيد المسيح العالم عندما انشغل بالإبن عن الأب وبالجسم عن الروح وأساء فهم وجوده وغاب عن حقيقة حضور الرب فيه فألّه صورته (أي صورة المخلّص) منشغلاً بعظمة الصورة عن جمال حقيقة الأب، وقال للجموع الهاتفة تأليهاً له بأن الأحرى أن تنشق الأرض وتبتلع الجميع على أن يتحمّلوا  حجم هكذا إساءة التي تعكسها هكذا أفهام للحقيقة النهائية.

ولذلك ورد على لسان السيد المسيح في الحكمة القديمة وصية للممتحنين في آخر الأيام والسنين:

"مَن عرف الفرق بين الأب وبين الإبن (أي بين المعبود والعبد) زالت عنه الأمراض الدينية التي منها تكون الموتة الحقيقية الأبدية."

نظرية الانبثاق والعودة لأفلوطين:

"لما كان الخلق مولودين جهّالا لا يعرفون إلا بموقوف ومعروف أوجبت الحكمة ظهور الصورة.."

أفلوطين يميّز بين مرحلتين من الخلق. الأولى هي مرحلة الفيض أو الانبثاق وهو تيار الحياة المتدفق من الواحد والذي لا شكل له. ولكن بما أن من المستحيل لأي كيان أو مخلوق أن يستلم أي شكل طالما أن هبوطه من الواحد إلى عالم الكثرة لم يُنظَر إليه بعين العقل أو المعرفة،  ينبغي عليه (أي المخلوق) العودة بالنظر إلى ذاته باذلاً أقصى جهده لكي يتماثل بكمال المصدر الذي انبثق منه. ولولا نظام العودة هذا لما ظهر الخلق إلى الوجود،

فلما أبدع الواحد من نوره الشعشعاني العقل الكلّي و"أحصى فيه كل ما هو كائن إلى ما لا نهاية"، وشاهد العقل في صورة ذاته كل ما كان وسيكون يدور في دائرة الكاف والنون، فأعجب بما شاهده، فعاد بنظره إلى نفسه، وظهرت عين تنظر منه إليه تماثلاً بإرادة "أردتُ أن أُعرَف"، ولولا نظرته هذه لما ظهرت نفس العقل "ميم أداموس" إلى نطاق الوجود والمعرفة،  ولولا ظهور النفس لما ظهرت فردية العقل في عالم الخلق وتشخّص السيد وملائكة الهدى في الزمان والمكان، ولولا تشخّص السيد والملائكة في الزمان والمكان لما تمّت المعرفة للعالم الأدنى الممثّلة بذوي العقول المظلمة التي قاومت وما زالت تقاوم حكمة الخلاص التي هبطت إليهم حيث هم وكلّمتهم بلغتهم بدافع المحبة للإبداع / هبطت إلى أظلم مجاهل عدمية الخلق لتكشف بالنور غموض الظلمة وتآنس الخلق الذي لو غاب عن وحي العقل طرفة عين لتلاشى واضمحل.

"لنزور إبداعه ذلك، لنبعث أحداً في ذلك الإبداع..." وصف العظيم شئت في الصحيفة الثانية قرار لجنة الملائكة تعبيراً عن الميثاق الأزلي بين عين العقل والإبداع الصادر عن الأب، فبُعث أبناء النور ومكثوا بين القبور تمثيلاً لحكمة الدستور.

الأقانيم الثلاث

الواحد

العقل

النفس

الواحد

الحقيقة الأعظم، المصدر الأول للإبداع،

"كون الواحد أزلي الكمال فهو أزلي الفيض. وما يفيض به (أي العقل) هو أيضاً أزلي، ولو أنه مرؤوس بالنسبة للمصدر الأول..."

وبنظر أفلوطين، عالم الكثرة أو التعدّدية هو جزء صغير من الوحدة الأصل. وبذلك فإن كل مرحلة من مراحل الفيض تعتبر هبوط أعظم إلى الكثرة من المرحلة التي تسبقها،

وليس السبق هنا سبقاً زمانياً بل سبقاً معنوياً، أي ليس كما تسبق حركة اليد حركة الخاتم، بل كما يسبق كون التفاحة تفاحة لون التفاحة وشكلها أو كما تسبق الزوجية الأربعة، على الرغم من أن كلما تغلغل هذا الهبوط في عوالم الكثرة أكثر أصبح تحقّقه في عين الناظر عرضة أكثر وأكثر لعوامل الزمان والمكان والإمكان والامتناع.

وبهذا كل مرحلة من الهبوط بالمنظار الأفلوطيني تعني التعرّض أكثر للانحصار الناتج عن النقص والحاجة، كما تعني أيضاً ضعف فعل قوّة المرحلة السابقة أو تشتّته كما تتشتّت الدوائر التي يصنعها ارتطام حجر على سطح الماء في المحيط.

وبذلك كانت الحاجة العظمى لإنقاذ الخلق من ظلمة الابتعاد والتشتّت عن مصدر الحياة، فأوجبت حكمة الحياة أن يكون عالم الثنائيات سبيل للعودة إلى الواحد، وتجسّد عالم النور وعالم الظلمة ضمن حدود الصور الموقوفة والمعروفة لتحقيق شروط العودة في اقصى أبعاد الانبثاق وقيام الحجة على اسفل عوالم الخلق وأدنى مستويات الأفهام، ليكون الثواب والعقاب بفائض العدل للأعين الشحمية إنقاذاً للخلق من صراع الاضمحلال في عوالم لامتناهية من التشتّت.

ولولا التضحية التي تحمل في طيّاتها أسمى معاني المحبة التي تربط أبناء النور بمصدر الإبداع الأول وحدوده الملائكة الأطهار لدمّر الخلق نفسه شر تدميراً، ولذلك قال السيد المسيح مخاطباً ابناء النور:

"أنتم ملح الأرض، فإذا فُقِدَ الملح بماذا تُملح... أنتم أشرف الأمم وخير مَن وطىء الأرض بقدم لأنكم عبدتم الموجود وانعكفوا هم على عبادة العدَم المفقود..."

بكم تستيقظ الهمم وبمحبتكم يرجع القِدَم..." "وتُملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً"

عالم العقل

إذاً عالم الواحد يتّسم

بالوحدة المطلقة المجرّدة عن الأشكال والصور،

الكمال،

الأزلية،

أما عالم العقل فهو صورة هذه الوحدة بعين مرآة مشاهدة الذات، وهو الإبداع الأول.

وعالم العقل أيضاً يتّسم بالأبدية تماثلاُ بمصدره،

وهو محور الطاقة الخلاقة،

وهو كامل بلطافته ولذلك سُمّي عالم الروح،

لكن وحدته تبقى ثنائية بالنسبة لوحدة الواحد،

أي أن فيه تظهر أولى أشكال الازدواجية وهي الازدواجية المُقتَرنة بالوعي (أي بانقسام الموجود إلى الواعي والشيء الذي يقع الوعي عليه).

لكنه يعي الأشياء جميعاً دفعة واحدة كشيء واحد، تماماً كما يُقال في الروح بأنها متواجدة في كل زمان ومكان في آن معاً.

وهو ما أشار إليه الحكيم أفلاطون بـ "الخير الأعظم" الذي يشبّهه أفلاطون بالـ شمس التي بواسطة نورها الوارد إلى البصر وإلمنعكس على الشيء المُبصَر يتم الإبصار، وهو يترأس عالم المُثُل.

وعلى مستوى عالم الروح، الوعي يشمل العالم بكلّيته وبكل ما فيه من معقولات في آن معاً وفي نظرة واحدة غير مجزّأة بتجزيئات الزمان والمكان.

وبما أن على هكذا مستوى من الوعي لا مجال لوجود أي كيان خارج نطاق النظر، أو أي شيء خارج عن إطار المشهد، تكون ذات المشاهِد (وهي الكيان الأعظم) جزأً لا يتجزأ من المشهد أي أن الناظر والمنظور كياناً واحداً، وكل جزء من أجزاء العالم المعقول في نظر الناظر متساوي مع الكل، وهذا هو تماماً ما يراه العقل في الأجزاء المقدّسة (أي أرواح أبنائه)، وفي هذه الرؤية تكمن روح العدالة المطلقة والمحبة الإلهية التي ائتمن بها الخالق العقل على خلقه

وقد عرّف الحكيم أفلاطون المعرفة المرتبطة بعالم الروح بالـ "حدس" وميّزها عن المعرفة المقترنة بعالم النفس ألا وهي "الفكر"، وعلى مستوى الحدس أو الوعي التأمّلي ترتقي النفس إلى مستوى الروح متجاوزة الفكر الاستطرادي في ما أشبه بحالة رؤية من العالم الآخر، فتصبح هي والروح في وحدة متناغمة.

وقد ميّز الحكيم أيضاً بين النفس العاجزة عن النظر إلى عالم الروح السائلة طبائعها بسيلان المادة والنفس الشريفة الممتزجة طبائعها بطبائع العقل. فأطلق على الأولى التعبير "بسايكي" والذي منه اشتق المصطلح المعروف "بسايكولوجي" (أو ما يُعرَف اليوم بعلم النفس) أو المصطلح "بسايكو" (ويعني مجنون بالانغليزية)، واحتفظ بالتعبير "سول" (أي النفس) للنفس العارفة.

ولذلك يمكن القول بأن الفرق بين عالم الروح (أو عالم العقل) وعالم النفس يتّضح أكثر بمعرفة الفرق بين الفكر الاستطرادي (أي التسلسلي) الذي يستطرد الأسباب ليصل إلى معرفة النتائج، ويتسلسل في استجواب الماضي ليعي الحاضر ويبرّر ما يحدث فيه والفكر التأمّلي (أو الحدس) الذي لا يفصل نفسه عن الحاضر، فيربط حوادثه بالنفس ويستمد بالحدس معاني ما يحدث بالفعل فيرى في حركة الحدث صورة خارجية للقديم الأصلي الموجود في الداخل ألا وهو الذات؛ ولا يتسلسل نظره في متابعة الحركة لكي يصل إلى اكتشاف ماهية ما يحدث، لأن الحدث الخارجي بنظره هو كيفية لما هو موجود أصلاً في الذهن. 

وهذا ما يشير إليه العلم الخامس الخاص في التفريق ما بين القِدَم الأصلي والقِدَم والحدوث الزمنيين في ما يلي:

"ثم والقِدَم والحدوث الحقيقيان، لا يُعتَبَر فيهما الزمان. فلا يُقال: القديم هو كون وجود الشيء في جميع الأزمنة، والحادث كون وجود الشيء مسبوقاً بعدم في الزمان (أي لم يوجود في الزمن الذي سبق)..."

وإلا فلنتساءل إذاً عن الزمان نفسه: هل الزمان حادث أو قديم؟

إذا كان حادثاً، فنظراً للقِدَم والحدوث الزمانيين يحتاج إلى زمان سابق، ويكون بذلك قديم وليس حادثاً،

وإذا كان قديماً، فنظراً للقِدَم والحدوث الزمانيين فهو يحتاج إلى زمان لاحق يُقاس به قِدَمه.

لأن في القِدَم والحدوث الزمانيين "المفروض اعتبار الزمان في كل حادث وقديم..."

أما ما هو قديم أصلاً فهو الذات، وكل ما دونه حتى الزمن فهو حادث، وهذا النوع من الحدوث هو أشبه بصفة للقديم، والصفة ترافق الموصوف، كما ذكرنا سابقاً، كمرافقة الزوجية للأربعة. وبذلك فإن الحدوث نسبة للقِدَم الحقيقي لا يحتاج إلى علّة تسبقه في الزمان والمكان، ولا يستدعي حاجة لمراقبة الحدث لمعرفة إمكانية حدوث المعلول (أو الممكن)، لأن كل شيء تعرّض لشروط الإمكان الزمني تعرّض تلقائياً للامتناع، وحاشا لمثل هكذا وجود أن يعتريه هكذا نقص.

فنعيد تكراراً بأن "الحدوث الحقيقي لا يحتاج إلى المدّة والمادة لكي يتحقّق، وكل ممكن الحدوث هو ممكن ذاتي لا عكس"

فالـ "حدوث كيفية للوجود وليس علّة لما يتقدّم عليه بمراتب"

فإذا لاحظ الذهن أن ما يفكّر به في لحظة من اللحظات حضر أو تمثّل أمامه مباشرة بحدث، طلب علّة ما حدث خارجاً عنه مع أنه لم يتصوّر شيئاً غير ما حدث في تلك اللحظة.

أجل، هذا هو الفكر الاستطرادي، يتسلسل دائماً مع الحدث الخارجي طارداً عنصر الذات إلى ما لا نهاية، إلى أن يصبح بعيداً كل البعد في تشخيصاته للأحداث عن الحقيقة النهائية أو واقع الذات، فيقع أسير الظنون والأوهام، ويرتطم كيانه كأمواج بحر الشرك على صخور التوحيد،  ويصبح كشجرة اجتثّت من جذورها وتلاشت فما لها من قرار، وكنفس أُزعجت عن هيكلها فهي أبداً متأخّرة في الداخل عن المعنى الذي يمثله هيكلها الخارجي في مسرح الوجود، معاندة مقاومة لعين المشاهد في داخلها التي تصرخ: حرّريني من هذا الحصار المظلم، إنّي لا أرى شيئاً.

ولذلك وصف الحكيم أفلاطون الإنسان بـأنه  "عين" أو "نظر" قبل أن يكون أي شيء آخر. وكل خير أو مكروه يمكن أن يصيب الإنسان لا يُقاس إلا بتأثيره على النظر، أو "البصيرة"، ولذلك ورد في الحكمة القديمة "مَن صحّ له غذاه صحّ له نظره وما يراه"،

ووصف الحكيم أفلوطين حركة كل امرء في هذا العالم بأنها مدفوعة برغبة للنظر مهما كانت هذه الحركة حتى ولو كانت "تناول الطعام". فكل امرء بنظره يسعى في الزمان والمكان بغرض المشاهدة، فضعيف البصيرة يسعى جاهداً بتحريك عضلاته ليحقّق نظرته ولا يعرف أن ثمّة عين رجيحة مستريحة تشاهده من مكان قريب لتستمد العبرة من شقائه وتطلب ما تريد أن تشاهده بدورها بحركة أرقى وألطف تعبّر أكثر عن الزوايا الأجمل من المشهد.

وباختصار،

إن الحكيم ينظر بسكون غير منقطع ويستمد المعنى والعبرة ممّا يشاهده ولا سيما من مشكلات الغير، أما الجاهل فمهما نظر إلى غيره وهي تأكله النار لا يعتبر، ويأبى إلا أن يجرّب النار بنفسه، لأن نظراته متقطعة تدفعها تجاذبات الفكر وأهواء النفس.

عالم النفس

تميّز الحكمة بين الخلق المتعلّق بالواحد والذي أنتج العقل، وبين الخلق المتعلّق بالعقل والذي انتج النفس. فيُسَمّى الأول "الإبداع"، والثاني الولادة الروحية للنفس أو الخلق الروحي.

ومع النفس تبدأ رحلة الزمان والمكان، وبالتالي عملية التكوين المادي، لأن هذا النوع من الخلق بطبيعته يحتاج إلى تتالي او تسلسل ما ليحدث فيه، بينما الروح تحضن عالم النفس بكل مكوّناته وما يحتوي عليه من أحداث بنظرة أزلية واحدة.

أما نظرة النفس أو الفكر فهي محكومة بالزمان والمكان والتغيير.

يمكن القول إذاً أن النفس هي صورة الروح منعكسة في عالم الزمان والمكان اللذان بدورهما هما انعكاس لصورة الأبدية التي تقبع فيها الروح. ولولا طبيعة الاستمرارية التي تشكّل الزمان وصورة امتداد الأثير اللامتناهي الذي يشكّل المكان لما تمكّنت النفس من استشراق معنى الأبدية الأصل. لذلك حتى الزمان والمكان بالمطلق هما خادمين لمعنى أسمى وليسا هدفاً بحد ذاتهما، فما بالك الأشياء والأحداث التي تقع فيهما.

النفس، ولو أنها تتّسم بالقوّة الخلاقة وبالروحانية، فإن الوعي المقترن بها ليس أبدياً أو كاملاً. وليس باستطاعته مشاهدة الأشياء بنظرة موحّدة، بل بالتسلسل، لحظة تلو الأخرى، وضمن شروط القِدَم والحدوث الزمانيين، والسبق واللحق.

ولكن الحكيم أفلوطين، وبالتناغم مع الحكيم أفلاطون ومع الحكمة القديمة، يشير إلى وجود نفس كلّية أو عالم نفس أصلي يقبع مع الروح، وهو ما تسمّيه الحكمة القديمة "بذي مصّة" (أي كما أن العقل الكلّي بالنسبة للواحد يُسَمّى "ذو معه" كونه لا يفارق الذات لحظة واحدة، كذلك فإن النفس الكلّية بالنسبة للعقل تُسَمّى "ذي مصّة" كونها تمتصّ  دوام وجودها من العقل وهي بنظرها أبداً موجّهة إليه وفقاً لنظام أكثر ثنائية من نظام الوعي المطلق المقترن بنظرة العقل إلى الواحد.

وينسب أفلوطين الخلق المادي أو خلق الكون المرئي وعلى رأسه تكوين النفس الإنسانية إلى النفس الكلّية معتبراً أن الكون هو انعكاس لصورتها تماماً كما أن عالمها هو انعكاس لصورة الروح. وتعتبر الحكمة القديمة "حواء" في قصة التكوين هي ممثول النفس الكلّية لأنها احتوت على كل صور الموجودات.

وفي معادلة غريبة على عقول الفلاسفة الذين اجمعوا على أن النفوس الفردية التي هي الأشخاص المجسّدة هم أجزاء من النفس الكلّية التي هي بنظرهم أشبه بروح مجرّدة، عرّف افلوطين النفس الكلّية بأنها هي بحد ذاتها أيضاً مشخّصة تحكم عالمها من داخله وليس من الخارج، تماماً كما ظهر الواحد إلى الوجود في الصورة الادمية تأنيساً لخلقه.

ويمكن القول من منظار الحكمة القديمة التي تمثّله هذه المطبوعة "آدم" أن في معرفة جوهر ما تحتوي عليه نظرة أفلوطين هذه عن سر دخول الخالق إلى دائرة خلقه تكمن صورة الاكتفاء الذاتي الذي تتمتّع به الذات ويفيض منه الإبداع ويكمن المنطق والحد الفاصل بين النفوس العارفة والنفوس الجاهلة،

والمشاهدة المرتبطة بهذه المعرفة هي الميثاق الذي يجمع بين أبناء النور وبين الخالق، والسر الذي يميّز بين السعادة الأبدية والشقاء الأبدي، لأن العالم بأسره، مهما بلغ به الجهل، يقر بوجود الواحد ويعترف بعالم الروح وعالم النفس وبالخواص التي تربطهم وتميّزهم،

لكن الفرق بين أبناء النور وأبناء الظلمة يكمن في إقرار أو إنكار ظهور الواحد في الصورة الآدمية أي بحقيقة "التجلّي" والضرورة التي يفرضها نظام المعرفة بأن يكون الحد الآدمي أي الصورة الآدمية أسمى الحدود التي عبره تدخل الأشياء مهما بلغ سموها وارتفاعها نطاق الوجود ومن دونه تبقى في نطاق العدم المفقود. فمَن طلب في الله صورة العدم تسلسل في نفي آدميته إلى أن الّه صورة الوحش في الإنسان لأن لا وصول له لأي حد في المعرفة أقصى من الحدود الآدمية، ومَن طلب الله في صورة الأنس ناداه الله من مكان قريب، من ذاته فنظر إلى مرآتها فشاهد الله في صورته.

عودة إلى الصفحة الرئيسية