واجد الوجود ليوجَد

"كنت كنزاً مخفياً لا أُعرَف، أردتُ أن أُعرَف فخلقت الخلق وبي عرفوني..."

ابتدأ بالسَرمَد، الوجود والعدم أي "الثابت العَين" و "المَنفي العَيْن":

أبدع من نوره الشعشعاني عيناً تنظر منه إليه، وظهر لتلك العين بأقدس الصور، الصورة الآدمية، فكان الإبداع الروحي لآدم الذي خُصّ بطبيعة النظرة الموحّدة والمشاهدة الدائمة (العقل الكلّي). أقبل آدم بنظره على الصورة في ذلك الزمن القديم (ليس بقِدَم يحكمه زمان أو مكان)، فسُحِرَ بما رآه بذاته في ذاته، فنظرت بعين الإعجاب من خلاله عين إلى نفسها، فكانت ولادة "عين العدم" أو "نظرة الضد الروحاني المعاكسة" التي حوّلت نظر المشاهِد عن الصورة وحالت دون اتّحاد المنظور بالناظر ودون استمداد الوجود من الواجد، فتنزّه آدم "عين الأحدية" عمّا احتوت عليه هذه النظرة من ثنائية بحوّاء "النفس الكلّية".

فسُمّيت حواء لأنها قاومت الضد واحتوت ظلمة العدم اللامتناهية في قوالب صور الموجودات، فمن رحم حوّاء النفس الكلّية وُلِدَت النفوس الجزئية للخلق لتصوير ما يكمن في باطن المخلوق، لأن من غير المحسوسات لا تتم معرفة المعقولات على ما هي، ووحدها المعرفة هي العنصر المطهّر من تلك الخطيئة،

عبرها تتحرّق الأعين نظراً إلى الأشياء شوقاً لتلك النظرة القديمة فترجع خاسئةَ حسيرة لا ترى سوى انعكاس نظرتها، فتأتنس بخطيئتها...

أقدم حدث في الوجود:

مِن رحم الوجود في ذلك الزمن المعنوي وُلِدت صورة الإنسان في الزمان والمكان لتصوير الإمكان وما احتوت عليه تلك اللحظة من اقرار أو إنكار...

وظهر للعالم كهم بصورهم تأنيساً لتقبله أفهامهم، وناداهم، "ألست بربكم؟ فريق سمع النداء من مكان قريب (من ذاته) فأتنس بصوت المنادي واستجاب بصدق، وفريق آخر لم يآتنس بذلك الصوت فارتد عن سماعه وارتاب، فكان ارتيابه حجة منه عليه..."

فانقسم العالم لفريقين لا ثالث لهما: مَن أقرّ بوجود الصورة ودعى إلى حقيقة المصوّر (واجد الوجود ليوجَد) فأنصف من نفسه، ومَن أنكر وجودها ودعى إلى العدم المفقود فطلب الرئاسة لنفسه، وما الليلة الظلماء والعالم المعكوس إلا غيبوبة تيقّظ لشمس هذه الحقيقة التي لا تغيب، فلما كان الإنسان لا يفهم إلا بموقوف ومعروف، وُجِب وقوف الدنيا كأداة لمعرفة ماهية الآخرة...

أبناء الروح وأبناء الجسد:

أقدم ثنائية في الوجود هي ثنائية الروح والجسد: ولما كان سبب الوجود هو المعرفة، ولما كانت المعقولات لا تُعرَف على ما هي إلا بالمحسوسات، أوجبت طبيعة المعرفة تجسّد هذه الثنائية بأشخاص أبناء الروح وأبناء الجسد..

ومن أهم عقائد الحكمة القديمة التي أعيد اكتشافها في قمران عبر أسفار إخنوخ هي حقيقة صراع الملائكة مع الشياطين – الحقيقة التي اتت على ذكرها الأديان السماوية والتي لم ترمز يوماً إلى حروب وهمية دارت في السماء، بل إلى أحداث شهدتها هذه الأرض وشهدها كلّ إنسان منذ ملايين السنين وعبر تقمّصاته المتعدّدة -  حقيقة سعى لطمسها أبالسة الدين وطغاة الأدوار عبر تكريس نسبية الخير والشر في عالم الموجودات وإحالة إمكانتية معرفة ما احتوى عليه قلب الإنسان من مطلق الإقرار أو الإنكار للصورة إلى "عالم الملائكة" أو إلى عالم غير منظور ولا معقول تحكمه مخلوقات وهمية، ريثما يتسنّى للشياطين على الأرض تصوير نظرة إبليس: "الملاك الهابط الذي شرّعوا له بالحكم في الأرض.

من وحي أسفار الحقيقة (مخطوطات قمران):

مبارك هو مَن انطلق أمام الحالمين على طريق العودة إلى "القيامة الأولى" التي شهدها ليلة الرحيل منذ الأزل. فهو وللعجب العجاب كان مستيقظ دون أن يعرف، فنام لكي يتحقّق من معنى الاستيقاظ... أراد الإحاطة بهذا المعنى فسكر وراح في غيبوبة، وحلم بـ"القيامة" وعرف أنه نائم، فأخطأ، لكن المعرفة كانت خطيئته الوحيدة، فانتشلته أيدي المشيئة وبها تحقّق من معنى المعاني: معنى "الحالم" الذي يحيط بكل حلم ولا حلم يحيط به...

كان بوسعه أن يستيقظ من الحلم قبل نومه، لكنه كيف له أن يدرك سر هكذا إرادة (العقل) دون التعرّف على المشيئة(النفس)، ولولا الدنيا والآثار لما بدت الأسرار..

لذلك مشى في الحلم وهو مستيقظ...  طلب معرفة "الحالم" فمشى ومشى، وبه مشى "الحالم"، وكيف له أن يدرك طبيعة ذلك "الحالم" إلا بالاستيقاظ من الحلم؟

عودة إلى الصفحة الرئيسية