|
|
"إلى متّى عصيان الكلام والسؤال عن تأخّر الأزمان ومناقشة الدوام؟"
سؤال يطرح نفسه بين لغة المصير وإحياء الضمير
أئمّة العصر توقعت بالحدس حدوث شيء في المستقبل، فطلبت من الخالق مؤونة لتقتات فحضرت المؤونة لهم وأخذوا ينتظروا: اليوم غداً، اليوم غداً، إلى أن تلاشت المؤونة وانتهى مفعولها. عندها استنكروا حالة الحدس ومرّت الأيام في دورة ما بعد الألفين والأمور هادئة بأمان، فجأة جاءت المجاعة والعوز، ودبّ بقومهم الرعب والداء. إذا، هل تحضر المؤونة للحدس فقط وتُلغى بجميع الأوقات، ام انها مطلوبة في سائر الأيام والساعات.
كذلك صنعوا مَن وحّدوا لخطوة، لا جدوى من ذلك: أبوا واستكبروا ولم يعدّوا يوماً للختام ولم يستوعبوا أن التوحيد بالإيمان لا في طلب المزيد، وبأن إيمانهم لهم وحدهم لأنفسهم لا لوقائع التجربة وإثبات الحاضر بالمستقبل.
لغة الختام
الأمور تسير لهذا مهما صنعتم من قلق أو تعقيد أو غضب أو ما إلى ذلك لا يغيّر إلا بكم لهذا يُستَحسَن:
- عدم الانتظار لأنها أعداد بلا أرقام
- سماع الأحداث وتجاهُل الأقوال
- الحدث للحديث ولن تصنعوا إلا التفكير
- دوركم ليتحقّق مباشرة دون ملل أو انزلاق.
عن حكمة "عدم الانتظار" بمقتطفات ومعطيات من العلم الخامس الخاص المضنون به على غير المقرّبين من أهله. تذكروا دائماً:
مَن خاف من التركيز في الحاضر وقع في اسلوب "كان" فتطاير الإمكان...
"الحقيقة بعين الناظر وليس بعين المصدور وبالتفريق بين الناظر والمصدور تأتي قصّة الإثبات هنا على الأرض"
هل يخاف الطفل من الإمكان في الحدث؟ هل يتربّص الطفل لحدوث الحدث؟ هل يشخّص الطفل الحدث لدى حدوثه؟
لا، لأن الطفل يشهد الحدث ولا يفصل نفسه عن المشاهدة،
والحدث في عين المشاهد لا يهدّد معنى الوجود بل هو صفة دائمة للمشاهدة،
ما دام معنى الوجود ثابت، استمر التفاؤل. وما دامت النفس مترفعة عن تشخيصات النظر، لا انقسام عن حالة المشاهدة.
فالتشخيص رغم أنه مجهود فكري يتباهى به أهل العلم في سائر الأوقات، هو تكليف نفسي يهجره أهل المعرفة والحكمة في الوقت المناسب، لأنه في أعماقه منافي لطبيعة "الرضى والتسليم" وينم عن افتقار في الرؤية - افتقار يلوّن الحدث بثقل السببية ويرهق النفس في ربط الأحداث وفقاً لنظام القبل والبعد والسبق واللحق.
تأمّل الآتي:
الوجود بالحدس (من دون عنصر التشخيص) وجود محض لا محال مع إثبات "ذهني وخارجي" منقطع النظير.
أما الوجود (عندما يتناوله الفكر ويصبح موضوع تفسير) = عدم العدم.
وبذلك عبر الفكر يصبح لمعنى العدم وجود.
وفي أعماق هذه النظرة تكمن الخطيئة الكبرى والوحيدة التي يُعاقَب عليها الإنسان حقاً، لأن معاني العقاب الأبدي لا تتجلّى إلا بهذه النظرة التي تدوم ما دام التفسير وما دام معنى الحاضر يفسّر بالمستقبل وألم الحاضر يداوى بالانتظار.
ولا عقاب أكبر من جهل معنى هذه الخطيئة وهو الافتقار الدائم للتصديق بالتنافي بين الوجود والعدم الذي هو بديهي.
فمَن طلب معنى الوجود بالعدم المفقود سهر الليالي ترقّباً للأحداث وكان عذاب سهره هو هو كل ما ينتظره من الانتظار.
ومَن طلب الوجود بمعاني وجوده لا يتعب ولا يبالي، إذ أن الوجود في عين المشاهد بغنىً عن الإثبات وسعادة المشاهد هي مما يستمدّه من معاني الوجود بالمشاهدة وليس بالفكر، إذ أن الفكر يرافق حدوث الحدث كمرافقة الصفة للموصوف ومَن ظهر له وجه المحبوب استغنى عن النظر إلى صفاته وبالتالي استغنى عن النظر إلى الكثرة في الوحدة، "لأن لا تقابل جوهري بينهما إنما رتّبت الأشياء على هذا النحو لتجب المعرفة".
فـ "الوجود ليس ذاتياً ولا وجودياً وإلا كان للوجود وجود. فلذلك كان القول من أن مصدر هذا الوجود لا يماثله شيء آخر هناك..."
التشخيص هو عمل نفسي إذاً يتنافى مع الوحدة الذاتية التي هي حالة عدم انقسام النفس أو "المشاهد" مع الأحداث. لأن تشخيص الحدث الذي يحصل على مستوى الفكر متأخّر عن الحدوث، والوجود الحقيقي هو واجب وقديم قِدَماً معنوياً وليس زمنياً، فيسبق الحدث سبق جوهري كما يسبق الموصوف الصفة، ولا يحتاج إلى المدّة والمادّة لكي يتحقّق معنى قِدَمه وإلا لما كان القديم قديماً أصلاً. أما الحدوث فهو من خصائص كيفية النظر للقديم ولا يقدّم أو يأخّر شيئاً في القديم.
ولا يجهد في طلب النظر إلا من عدِم المشاهدة، ولا يجهد في طلب المستقبل في الحاضر إلا مَن لم تتوحّد نفسه مع جوهر الحضور الغني عن القدم والحدوث الزمنيين.