العقل والنفس

العقل (الروح):

لقد صوَّر العقل، ذاته لذاته في الهيولى، ثم نظر بذاته إلى معاني ذاته وصورها، فيلتذ بذلك إعجابا منه بذاته، إذ لذته هي ممّا يناله من حقيقة ذاته بذاته، وليس بشيء خارج عنه ولا بعَرَض عارض، وتعالى العقل عن ذلك بل هو من ذاته لذواته، وهذه هي اللذة الحق الدائمة الأبدية.

العقل، إذا أراد إدراك شيء ما افرده مما سواه، وانتزعه مما قارنه، ثم أدركه إدراكا فاردا بذاته الفاردة القادرة، لأن كما الحس لا يدرك شيئا فاردا، فكذلك العقل لا يدرك شيئا مركبا كثيفا، ولا يعلمه علما يقينا عقليا دون أن يفرد معانيه ويميزها وينزع كل جنس منها فيجعله فاردا بذاته، ثم حينئذ يدرك معانيه كلها على الإنفراد بحقيقتها. قد تبين أن الحس الذي هو الشيء المركّب يدرك المركبات، وأن العقل، الذي هو الفارد المفرد البسيط، يدرك الأشياء البسيطة المفردة الفاردة. العقل، كلما جرى مع التركيب، فارق الفردانية وفارق أيضا الإدراك الفرداني الفردي، وكلما فارق التركيب والإشتراك، أدرك الأشياء المركبة الزمنية.

قوّة العقل أشدُّ وحدانية من المُبدَعات الثواني التي بعده، لأنها لا تنال معرفته؛ وإنما صار كذلك، لأنه علّة لما تحته من مبدعاته. والدليل على ذلك هو أن العقل مدبِّر ومُبدِع لجميع الأشياء المصوَّرة الممثَّلة التي تحته بالقوة الإلهية التي فيه، والفائضة عليه، وبها يمسك الأشياء، لأن بها كان علَّتها، وهو يمسك الأشياء التي تحته ويحيط بها ويدبِّرها. وذلك أن كل ما كان أولا للأشياء وعلّة لها فهو ماسك لتلك الأشياء ومدبِّر لها، ولا يفوته منها شيء من أجل قوّته العالية.

النفس: بصر واقع بين العقل والجسد

إن البصر يكون في الظلمة، وتكون المُبصَرات حاضرة بين يديه فلا يراها ويضعف عن إدراكها، فإذا ورد إليه النور المضيء أعانه على إدراك مُبصَراته ومحسوساته التي كانت قبل ذلك غائبة عنه، فكان النور سائقا له إليها، ومُتمِّما له إدراكه إياها، وجاعلها فيه بالفعل، بعد أن كانت فيه بالقوّة. فما دام البصر واجدا ذلك بالنور، فهو واجد لمُبصَراته ومدرك لها. فإذا فقد النور وعاودته الظلمة، عاد إلى فَقْد جميع محسوساته. ولو دام له النور أبدا لدام له الإدراك أبدا. النور يأتي من قبل العقل والظلمة من قبل الجسد.

من الأنفس نفسا عقلية، لكونها متعلِّقة بعلتها دائما. أب النفس وعلّتها هو العقل. وثبات العقل وقوّته وأنواره الشعشعانية، فائضة عليه من أبيه الخير المحض (المُعِل)

والمُعِل هو الخير المحض جلَّ وعلا، والعقل الأسمى الأجل هو الفائض بالصور والمثالات.

عودة إلى الصفحة الرئيسية