|
|
التجربة التي لا تعرف مرتسماً للحدود هي العذاب بعينه
أنظر من حولك لترى انعكاس هذه الحكمة في كل مكان: انظر إلى ظلمة الأثير اللامتناهية، وانظر إلى الحدود التي ترسمها الشمس وتصوّر الوجود من غير الشمس.
أنظر إلى وحشة الأفكار والأوهام اللامحدودة التي تكتنف عالم الفكر، وانظر إلى الحدود التي ترسمها صورتك في المرآة، وتصور لو كان وجودك فكرياً محض عارياً من أنس الصورة.
أنظر إلى أحلام ومخاوف وهواجس المستقبل، وانظر إلى الحدود التي يرسمها الحاضر، وتصوّر ما يشعره الطفل لحظة الاستيقاظ من حلم مزعج، وتصوّر لو لم يكن هناك واقع ينتظر الطفل لحظة الاستيقاظ.
تأمّل في هذه الحكمة تعرف عندها لماذا تميّزت النفس الشريفة بـ "الطاعة للحدود".
أما بشأن الأنفس التي عاندت الحدود نختصر ونقول:
لا تُعاقب النفس بل تعتقل لأسباب جهلها للحدود التي رسمها الله للمعرفة بشخص "آدم"، لأن في شروط هذا الرفض تكمن أسرار العذاب. لذلك قالت الحكمة: مَن تعدّى حدود الله فقد ظلم نفسه.
ولذلك سُمّي إبليس بـ "الملاك الهابط"، لأنه هبط بمحض إرادته إلى الحد الآدمي الذي فيه يُكشَف على ما هو عليه من عدائية لآدم، انتقاماً من الشروط الآدمية التي مكّنته من الهبوط أصلاً. وهذا ما يُرمَز إليه في الحكمة القديمة بالآتي: "ظهروا بالصور الآدمية ونصبوا الشبكة والسكين لاغتيال نفوس المستجيبين لدعوة آدم.."
وهكذا تناقض هو التعريف الحقيقي للنار الأبدية.
الوجود من دون "العنصر الآدمي" (العقل الأخير)، كالأثير من دون عنصر الإبصار،
ليس من الممكن معرفة شيء عن الأثير (وهو أقرب ما يكون إلى "اللاشيء") لولا تمييز الظلمة التي تكتنفه، ولا يمكن تمييز الظلمة من دون عنصر الإبصار،
ولما كان النور الوارد إلى العين، الذي بواسطته تُمَيّز ظلمة الأثير هو "علّة الإبصار،" كان هو سابق الظلمة إلى الوجود. وهذا السبق هو البرهان الساطع لوضوح سبق الخير الأعظم، وهو وضوح يتنافى مع ما يدعو إليه الشر من غموض، ويتناقض مع ما يُقال عن أهل الجحود من استحالة معرفة النور لولا الظلمة،
ويشيرون في اعتقادهم هذا إلى عظمة غموض الفكر المتآكل بظلمة الجهل ولذة تناقضات المعاناة الموسومة بكلمة الـ"آه".
لكن، "كل شيء تسلسل في طرد الغاية إلى ما لا نهاية كان باطلاً".
ومهما تسلسل الفضول العلمي في الأثير ابتعاداً عن شمس الوجود بحثاً عن عالم آخر، تبقى الشمس هي نقطة الترقيم ومقياس النجاة التي بها يُقاس قربه أو بعده من عنصر الحياة.
فما هو إذاً مصير عالم تنكّر لحكمة آدم وأخذ يجري باحثاً عن الجنة في الأثير من دون نقطة ترقيم؟ ما هو مصير عالم يبحث عن المجهول في ظلمة الأثير الفكريي اللامتناهية مستعيناً بما يتوفّر له من إبصار، ويقيس نجاح بحثه بمقدار ابتعاده عن علة الإبصار "شمس آدم"؟
وإلى متى أيتها النفس ستبقين حائرة كالقمر الذي يدور حول الشمس محاولة القفز بالنظر إلى ما وراءها؟ وما الذي يفعله القمر سوى الدوران؟
أليس مفعول الدوران محصوراً بمحطة التركيز؟ فلماذا تخافين من التركيز في الموجود وتؤثرين عوضاً البحث عن العدم المفقود؟
كلا، عبثاً يحاول هذا العالم الوصول، عبثاً يحاول مَن يطرق باب المجهول بحثاً عن حدود لمعاناته. فمبادىء انطلاق بحثه هي هي سر عذاباته لأن فراغ النفس ليس له حدود، ومَن لم يعرف الحدود ويوحّد المعبود فليلزم الإنكار والجحود.
فالله بعين مَن جهل حدود المعرفة كالظلمة بعين مَن لم يبصر النور أصلاً، فهو لا يعرف العقل الأخير (أي علة الإبصار) لكي يعرف ماهية الظلمة عند ورودها إلى البصر. فكيف له إذاً أن يعرف ماهية الأثير؟
كيف لِمَن يجهل ماهية الأشياء عند ورودها إلى البصر أن يعرف ماهية الأشياء قبل ورودها إلى البصر؟ كيف لِمَن جهل العقل أن يتم له معرفة الله؟ وهل يمكن دخول الدار من دون الباب؟
وأليس الادّعاء بهكذا معرفة هو قمّة الادّعاء؟
ولهذا ترى عالم الادّعاء يظن الظلمة نوراً والنور ظلمة، ويساوي بين العالميْن بسؤاله: هل ممكن أن يُعرَف النور لولا الظلمة؟
والسؤال الحقيقي هو: هل يُمكن أن تُعرَف الظلمة لولا عنصر الإبصار؟
ولهذا جاء في الحكمة القديمة:
"انظروا إلى أيام المسيخ الدجّال وتقضّيها بالهزل والنجس والمُحال"
فـ"لو عرفوا الله ما عبدوه ولو عرفوا إبليس ما لعنوه"
وكم أوضحت شواهد الأديان أن النور الحقيقي هو في داخل الإنسان، وأن لولا الداخل لما عُرِف الخارج.
فما هو إذاً مصير عالم يتحدّى حدود الإبصار بحثاً عن ماهية الأثير سوى الغرق في مجاهل ظلمته اللامتناهية؟ وما هو سبيل النجاة سوى بالنظر إلى الشمس؟ لكن الشمس تكشف مَن ينظر إليها ليس حباً لها بل ضرورة وإلزاماً؟ ومَن أحب الشمس أخذ من الشمس حرارة نورها، ومَن أبغضها لم ينل منها سوى لهيب نارها.
ولهذا كان للسيد المسيح شهادة أخيرة للممتحنين في هذا الدور الأخير: "مَن عرف الفرق بين الأب والإبن زالت عنه الأمراض الدينية والعلل الوبائية التي منها تكون الموتة الأبدية"