ما هو دورك في المســـــــرحية

لقد أفلت شمس الدجّال الأعور وقمره في المُحاق - الحكمة الشريفة

لقد ضخَّم إبليس قوة الشر دافعاً بالإنسان لأن يبتعد عن هدفه الحقيقي فأصبحت أفكاره وأفعاله موجهة إلى الشر الخارجي الذي سيأتي وأسلحته يهيئها لمواجهة التنين، وهو لا يدري أن التنين الأكبر قد تأصَّل في نفسه والخوف الأكبر ليس مما سيحدث غداً بل مما يحدث الآن في أفكاره

على المبصر أن يعي بأن مسرحية الأبالسة على الأرض تعتمد بشكل أساسي على غياب الدور الحقيقي في داخله، وهو دور العقل والعقل حضور دائم ومعنى موحّد لا يتجزّأ مع الفكر ولا يحتاج إلى المُدّة والمادة ليثبت نفسه كما احتاج إبليس عندما تحدّى آدم...

ولا تتخلص النفس من قيود الوهم إلا إذا لعبت دور إخنوخ (النفس الطائعة) المستمعة لآدم الصفاء (العقل) - عندئذ يحقق »شئت الكلمة« في ذوات الأنفس الشريفة الغرض من وجوده ويصبح كالشمع الطائع القابل لانطباعات الصور النورانية

لم يكن ثمة عصر ولا زمن لم يلازم فيه »أبناء الظلمة« »أبناء النور«، ذلك لأن الظلمة تحتاج إلى النور لكي تُعرَف. كان دور الأبالسة دائماً مراقبة أفعال »أبناء النور« بحسد وكبرياء يجسِّدان أقدم حسد وكبرياء - حسد قابيل لهابيل - حسد إبليس لجهله ما يدور في قلب آدم، وكبريائه الذي منعه من السجود له، وتهديده بعد طرده من جنة المعرفة: »لأغوينّهم أجمعين ولأقعدن لهم في العمائر والسبل...« قد جهل »أبناء الظلمة« طبيعة الهمّة المؤثرة التي تلهم أفكار وتعابير وأفعال »أبناء النور« وتوقفوا عند مظاهر هذه التعابير والأفعال لكي يبنوا حكمهم عليها.

وكما يقول الفيلسوف »أفلوطين«: للمظاهر تأثير ووقع خاص، ولذا بَنَت الأبالسة مملكاتها وقررت توجهاتها بما استوحت في ظلمتها من مظاهر تلك التعابير كالأعمى الذي يتحسس الحدث متأخراً بعد وقوعه ويبني أفكاره وردّات فعله وتحرّكاته حول ما استنتج ويهدم ما بنى عند تحسسه للحدث التالي.

لقد كان دائماً دور القمر أن يعكس نور الشمس في الليلة الظلماء ولقد كان دائماً دور النفس أن تعكس صوت العقل وتصغي له في الرحلة الآدمية الكبرى المشبهة بالليلة الظلماء. ليلة إمهال إبليس والشيطان. ولكن النفس المظلمة، كقمر يدعي أنه مصدر النور، قبلت بأن تلعب دور الـ »أنا« الأنانية الذي وعدها فيه  إبليس بإصغائها لما وسوس وادِّعائها بأنها صاحبة »الكلمة«. نعم، لقد تآمرت »النفس المظلمة«  مستعينة بـ »الكلمة« على العقل. وتغنى القوم بجمال القمر في الليالي وسهروا طويلاً ثمّ رقدوا لذا فاتهم جمال بزوغ الشمس عند الفجر. فالكلمة لم تكن يوماً إلا الوسيلة التي تنطبع فيها أنوار العقل على مرآة النفس. فلم يكن ليضاء القمر أو يتغنى العشاق بجمال نوره لولا نور الشمس الذي يمدّه بالنور.

وكالظلام الذي يمنح القمر فرصته للظهور، كان دور إبليس في الليلة الظلماء، دور جامد ميت يجسِّد إفلاسه من عنصر العطاء الذي يتجلى في طبيعة النور عند إشراقه. وصدَّقت »النفس« إبليس بما وسوس واستخدمت »الكلمة« استخداماً معكوساً لنسج القصة التي يلعب فيها القمر دور الشمس في الظلام، قصة لا يبان  وهمها إلا عند بزوغ الفجر. عندئذ يتبدد الظلام الذي يستمد وجوده من غياب النور وتظهر الشمس صاحبة الدور الرئيسي في سماء الأثير، قصة الوجود الأسمى. فلا ينتقص وجود الشمس أو غيابها شيء من الأثير إلا بما يتعلق بأبصار أبناء النور عشاق الوجود. لذا قد منح الأثير الشمس دوراً في أن تضيء ظلمة  وتحكي قصة »كنت كنزاً مخفياً أردت أن أعرف...« لكي تتمتع بصيرة ابناء النور بعظمة قصته لعلنا ننظر بعين العقل ونصغي بأذن القلب لنفهم أسرار الأحاديث القدسية.

لا تستطيع النفوس المريضة إلا أن تلعب دور الدمى المتحركة في ظلام مسرحية الوهم، مسرحية إبليس والشيطان. وللدمى المتحركة رهبة ووقع خاص إذا ما نظر إليها المتفرج في الليل وعلى ضوء القمر، ولا يكتشف المتفرج سخف ما شعر به من رهبة إلا عند طلوع الشمس.

لذلك على المبصر أن يعي بأن تمثيلية الأبالسة على الأرض تعتمد بشكل أساسي على غياب الدور الحقيقي في داخله وهو دور العقل. فلا يعيش المرء رهبة تمثيلية الشيطان في الظلام إلا عندما تتفاعل أحاسيسه مع أحداثها الوهمية وكأنها الواقع فتستحوذ على أفكاره فعلاً وتصبح له كالواقع.

ولا تتخلص النفس من قيود الوهم إلا إذا لعبت دور إخنوخ (النفس الطائعة) المستمعة لآدم الصفاء (العقل) - عندئذ يحقق »شئت الكلمة« في ذوات الأنفس الشريفة الغرض من وجوده ويصبح كالشمع الطائع القابل لانطباعات الصور النورانية. لذا فليفهم »أبناء النور« أن دور النفس الشريفة هو دور المستمع في ذواتهم وليس دور النفس الناتجة عنها التصرّفات (الغريزة الفاعلة في تحركاتهم)، وليهذّبوا نفوسهم استعداداً لتلقي النور الساطع والبرهان القاطع عندئذ، ظهور الشمس عندهم لا يعني اختفاء القمر ، وليحذروا المشاركة في جدلية الشر التي نسجها لهم إبليس بقصصه محنة لنفوسهم ليكونوا أداة يسخر بها إبليس من العقل.

فليتذكر أبناء النور أن هدف إبليس الأساسي هو روحيانياً وليس مادياً. فقد مرت عصور عدة كانت فيها المادة مجرد أداة تعبر عن قصة الخير والشر، تستعمل كما يستعمل الطفل الألعاب. وما التركيز على المادة كهدف بحد ذاته في عالمنا اليوم إلا علامة إفلاس الأضداد من عنصر الروح.

تلعب المادة اليوم الدور الأساسي في لعبة الأضداد لأنهم لا يفهمون عالم الروح فأضاعوه واستنفد عنصر النور منهم. ولجهلهم لطبيعة العقل، فقد جهلوا طبيعة المسبب الأول ولا يملكون التحكُّم إلا في ما يرونه ظاهراً من خلال مراقبتهم للسببية المادية الناتجة عن الخدعة البصرية.

إن أقدم شعور أوجد الظلمة في النفس الإنسانية هو شعور آدم لآدميته، ولم يكن ليتحقق هذا الشعور إلا ببروز عالم المادة إلى الوعي، العالم الذي عبره تعي النفس ماهية الأضداد، ماهية الثنائية بين المادة والروح. ففي عالم الوعي كل شيء يعبر عن وحدة متناغمة... وفي وعي النفس للثنائية حكمة وتعقُّل لذوي البصائر وهلاك للعميان.

قد لعبت المادة الدور الأساسي في لعبة الأضداد لأن عالم المادة هو العالم الذي يؤمن لإبليس العملة التي من خلالها كثَّف هذا الشعور بالضدية في النفوس، فمن دون هذا الشعور ليس لإبليس وجود ولا هوية. ولا يتغلب على هذا الشعور إلا العقل الأرفع والأسبق والنفس العاقلة التي تستمد نورها من العقل لتكشف ألاعيب الضد.

إن أقدم نظام أسسه إبليس لتجسيد الشر في النفوس البشرية استوحاه من تعاليم العقل. لقد كان إبليس دائماً ملازماً للعقل ومتابعاً له في تحركاته بحسد وكبرياء. لكن إبليس لا يبصر إلا الظاهر، لذا أسس إبليس مدارسه وأنظمته الدينية والدنيوية على تقليد الظاهر ومن ثم نقض التقليد. وبذلك يضمن أنه الوحيد المتحكم في الشيء ونقيضه وفي كل النفوس العالقة  بشباكه من خلال وعيها وقبولها لهذا التناقض الذي منه يستمد وجوده كظلمة وهمية سُفلية تنتج عن غياب نور العقل الأرفع.

إن أقدم قضية تبناها العقل هي تحرير النفس من ظلمة العدم، ولذا كل تعاليمه منذ الإبداع تتعلق بالوجود والعدم وتتجسد في فلسفات الشرق الأقصى القديمة التي تنظر إلى الشر كوهم ينتج عن البصر في نظرية (المايا). أما رحلة الأديان السماوية المقدسة التي جسّدت الخير والشر كقوتين خارجيتين عن النظام الداخلي للإنسان فلم تسلم من عبث الأضداد. كان هدف إبليس دائماً تعزيز الخير والشر كنظامين مرتكزين على السلوك الظاهري للفرد وطمس دور السلوك الداخلي (أي دور حكمة العقل والنفس في داخل الإنسان)، هذا ما كشفته المخطوطات الغنوصية التي ركزت على صراع الإنسان مع نفسه عوضاً عن صراعه مع التنين الخارجي الذي استعمله إبليس لتخويف البشر ودفعهم إلى استخدام أسخف أداة لحماية النفس وهو السلاح المادي.

لقد أخذت الخطيئة معنى أرقى لدى الموحّدين (ومنذ قديم القِدَم) من مجرد العمل بعكس مظاهر السلوك الحسن. فالخطيئة بنظرهم لا تأخذ معنى أخلاقياً فحسب بل تعني الجهل وابتعاد الإنسان عن الهدف.

لقد ضخَّم إبليس قوة الشر دافعاً بالإنسان لأن يبتعد عن هدفه الحقيقي فأصبحت أفكاره وأفعاله موجهة إلى الشر الخارجي الذي سيأتي وأسلحته يهيئها لمواجهة التنين، وهو لا يدري أن التنين الأكبر قد تأصَّل في نفسه والخوف الأكبر ليس مما سيحدث غداً بل مما يحدث الآن في أفكاره.

لقد ضخم إبليس قوة المادة في نفوس الخليقة ونصَّب وحوشه ليلعبوا أدواراً رئيسية على مسرحه (عالم المادة) يصعب على الإنسان مقاومتها مادياً من دون لعب أدوار أقبح وارتكاب شرور أكبر كـ »قتل الروح« في صراع الدمى المتحركة. لذا فلا مفر ولا خلاص للإنسان إلا في تحكيم العقل. لقد أجبر إبليس أتباعه أن يحملوا سلاح التقوقع والتعصب لأن آذانهم صُمّت عن سماع صوت العقل وأنفسهم مالت إلى لعب أدوار البطولة (أداور عرض العضلات) التي وعدهم بها في مسرحياته كما وعدت الظلمة القمر بدور البطولة في الليلة الظلماء الكبرى.

لم يملك الشر يوما سبيلاً في مقاومة الخير إلا في الظلام وعبر الحيلة لأن الظلام لا يتحمل نور الشمس أصلاً وليس له وجود ولا هوية إلا في غيابها، بل فقط يستغل ما توفر من انعكاس لنور الشمس في مرايا نفوس »أبناء النور« لكي يضيء مسرحه في الظلام ويستمد وجوده الذي لا يتحقق إلا بوجود النور ولا تعرف هويته إلا بمناقضة أبناء النور. لأنه في حالة الظلام الكامل لا تعرف له هوية ولا تقام له رهبة.

إن تجسيد الضد لنظامَي الخير والشر على الأرض من خلال (الأفراد والمؤسسات التي تدّعي التحكُّم في مصير أرواح الناس) قلَّص دور العقل في الإنسان إلى أداة تفاعل مع الشر وهو في الحقيقة الأداة التي تتحكم بوجود الشر أصلاً كما يمنح النور الظلمة هويتها، »فكل ممكن الوجود هو ذاتي وليس العكس«. وفي الحقيقة الظلمة هي حالة انعدام الإبصار أصلاً.

ففي مسرح الأضداد لم يعد المخلص العقل، بل أصبح قوى »مجهولة«. وكالدمى المتحركة غرق بني البشر كل منهم في دوره وفقاً للسيناريو الذي رسمه الأضداد للاستهزاء منهم، أدوار مبنية على الخوف تضمن للتنين »المجهول« وجوده في أفكارهم وسيطرته على أرواحهم.

إن مسرح الضد هو عالم الضدية، عالم التناقض والازدواجية. أقدم ضدية شهدتها الرحلة الآدمية الأخيرة وتعززت في وعي الإنسان تتعلق بثنائية المادة والروح. قد عاشت في أدوار سابقة (في الطفولة من عمرها) في حالات من التوحُّد و»اللاوعي« لهذه الثنائية كما يعيش الطفل حاضره بدون خوف من المستقبل أو أسف على الماضي.

وميز العصر الآدمي بكونه سن الرشد (أي سن الوعي لهذه الثنائية) وهو وعي لا بد منه لاختبار النفوس كان ولا يزال موضوع الفلسفات والأديان كافة.

وكان لا بد للنفوس في هذه السن الحرجة من عمر البشرية أن تختار بين الانغماس في تيار المادة الذي يستعبد الحاضر من أجل مستقبل موهوم أو اختيار الحياة الأبدية التي تبدأ الآن بالتحرر من الخوف. وحكماً كان لا مفر للشيطان من تعزيزه لعالم المادة على حساب عالم الروح لينفث سمه الأخير قبل جفاف الأقلام وطي الصحائف. فليس للشيطان سبيل في لعب دور الإله إلا في مسرحه وهو العالم المادي. فليس للظلمة دور عند بزوغ الشمس. وفي تعزيزه لعالم المادة على حساب عالم الروح توفر لديه المسرح لتعزيز التناقضات الأخرى التي تنتج عن عالم المادة، كالتناقض بين الدين والسياسة مثلاً، ولكن حين تبزغ الشمس يُضاء العالم ويقترن المعقول بالمحسوس ويصبح العالم المادي على أبناء النور نعمة شاملة وعلى أبناء الظلمة نقمة كاملة.

المكان الوحيد الذي يستطيع أن يلعب فيه الشيطان دور الإله هو المسرح المادي، مسرح وعي البصر للتناقضات لأنه هو من قلّدها وعززها، والطريقة الوحيدة التي تضمن فيها استمرارية هذا الدور هي من خلال انجذاب أبناء النور للغة المسرحية والحُكم على الأمور على ضوء أحداثها. ولا يمكن له تنفيذ هكذا رغبة إلا في منحهم أدواراً في المسرحية، فبذلك يضمن التحكم الخارجي لهم وذلك على حساب خلاص أرواحهم. ولا يستطيع ضمان هكذا سلطة على أصحاب البصائر إلا في إلباس أتباعه ثياب الحملان. فترى مَن عُرفوا في الحكمة القديمة بالـ "مرتدّين" وهم أقبح أبناء الظلمة وأشدهم لدداً وكرهاً لأبناء النور يخفون حقدهم وكرههم لنفوس أبناء النور بأقنعة »الرحمة« والغيرة عليهم ويستغلون شوقهم ومحبتهم (أي شوق أبناء النور) لأبيهم »النور« بدغدغة مشاعرهم وغيرتهم على الدين من خلال لغة الشر المُبَطّن بالحنان.

ولكن سرعان ما يظهر جهلهم (أي جهل الذئاب المتلبسة بثياب الحملان)، لأن عالم العقل في تطور مستمر يستلزم منهم مواكبة دائمة تنهكهم. فهم في قلق دائم يتربّصون كالأعمى لأي إشارة تصدر عن الأقوياء  بين »أبناء النور« يستدلون من خلالها على خطواتهم المقبلة. يأخذون التعابير والإشارات ويقلدونها جاهلين طبيعة ملهمها والمعنى الخفي من ورائها. وبذلك يسيطر الضد على نسبية الخير والشر في عالمنا المبني على الطقوس والمظاهر. ولا يمكن تحقيق ذلك لولا جهل  نفوس الضعفاء بين الموحّدين.

لقد أساء إبليس فهم طبيعة آدم التي من خلالها تنزه الله به عن دخول معركة الخير والشر، وظن أن المعركة هي منازلة مباشرة بينه وبين الله، فهمَّش دور العقل في مسرحيته وأعطى الدور الرئيسي للشيطان  »إله المواعيد الكاذبة المختَلَقة« (تنين الجهل). فترى الشخصيات في تمثيليته في خوف من الموعود وفي دوامة من الصراع بين الأضداد ليس لها حدود، لا دور فيها  إلا بالتذكير بالألم الذي ينتج عن هذا الصراع. فالأداة التي وهبها الله لهم أصبحت ألماً وعبئاً عليهم.

فمِن الحكمة أن يتذكر »أبناء النور« بين الحين والآخر أنهم بامتلاكهم حكمة »النفس ولعقل« يمتلكون "المفتاح والباب" والمفتاح هو القدرة على التحكم بأحداث المسرحية وليس فقط الانتظار ليروا أنفسهم تهشمها أنياب التنين على أمل أن يأتي الخلاص في آخر المسرحية. فلن تنتهي المسرحية إلا باستيقاظهم وقيامتهم والتخلّي عن أدوار البطولة في المسرحية بالخروج منها والنظر من بعيد لآخر فصولها حيث النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

عودة إلى الصفحة الرئيسية