|
|
"سيأتي الكثير يتسمّى بإسمي..."
سِمَة الوحش والنبي الكذّاب الذي ذكرها القدّيس يوحنا تظهر معالمها على وجوه الشخصيات في العالم اليوم
وقد حذّر السيد المسيح العالم من الانشغال بشخصية "المسيح" عن النور الذي أتى المسيح من أجله
عالم يغرق بالصورة
نقض العالم وعده للسيد المسيح، فلم تشبكه صورة المحبة التي تجلّت على وجه السيد المسيح، بل عوضاً شبكته صورة العظمة التي تجلّت بمعجزات السيد المسيح...
أما اليوم وأكثر من أي زمن مضى، لا يقتصر غرق العالم على الجموح في طلب المال والشهرة والسلطة، بل أيضاً على الاستغراق في طلب الماورائيات تحت وقع تأثير المرئي والمسموع على الخيال، وهو النوع الأخطر لأنه سيف ذو حدّين: إما يرفع بطالبه إلى الأسمى أو يطيح به إلى الأسفل
وقد اقتضت القيامة الكبرى للأنفس بعد رحلة الأكوار والأدوار عودتها إلى عنصرها الأقدم: فما لطف إلى عالم العقل يرقى، وما كثف في عالم الجهل يشقى...
"فمبارك مَن له نصيب في القيامة الأولى، فليس للموت الثاني عليه بسلطان..."
"أصحاب المنازل":
يحاول البعض من المتصوّفين أو الروحانيين أن يرفعوا من شأن مسلكهم الروحي اعتماداً على طريقة محدّدة مقياسها قدرتهم على تحمُّل العذاب الجسدي أو الاستغراق في رؤية من العالم الآخر. وفي محاولتهم هذه غالباً ما يعتمدون أساليب منوّعة من السيطرة على الجسد والفكر.
قد تحقّق هذه التقنيات بعض التغيّرات العقلية والنفسانية وتحدث تجارب غير عادية، كالرؤى، وسماع الأصوات الداخلية، وقد يميل الكثير من الناس إلى الاعتقاد بأن صاحبها ذو منزلة عالية من الخير أو "مؤيد" (أي يعمل بهداية الله)، إلا أن السؤال يبقى: ما علاقة هذه القدرات بـ "المحبة الإلهية" أو
بـ"منطق التصوّف الحقيقي" المبني على الشوق إلى الله؟
المسيحية القديمة، والنظرة الثاقبة في الأمور:
نجد في ملاحظات الفلاسفة والحكماء الذين حلّلوا هذه التجارب الروحانية وقيّموها توافُق على الرغم من اختلاف العصور والأزمنة التي أتوا فيها. وإحدى الفِرَق التي عالجت هذه المشاكل بلا شك هي الغنوصية القديمة.
وبتفحّصنا لآراء عديدة لديها حول النمو والإدراك الغير عادي نكتشف منظوراً واضحاً للمشاكل الأساسية التي تعترض المتصوفين أو الروحانيين أو حتى رجال الدين الذين يقيسون نجاحهم أو "تقدّمهم الروحي" على أساس تمتّعهم بالقدرات.
ميّز الغنّصوين القدامى بشكل دقيق ما بين التطوّر الروحي الحقيقي والظواهر والمواهب أو القوى التي غالباً ما قد ترافق هذا التطوّر. فهذه الظواهر في أغلب الأحيان يُساء فهمها أو استعمالها،
ولهذا ركّزت الحكمة الغنوصية على "المعرفة" كمقياس لأهمية هذه الظواهر. ما هي القيمة المعرفية في أن يتربّع رجل يوغي في الهواء أو أن يعاني رجل متصوّف من خشونة ثيابه أو أن يتنبأ رجل روحاني بناءً على رؤية بما سيحدث في المستقبل؟
قد تُظهِر هذه القدرات كرامات لأصحابها وهي إيجابية للغير على قدر ما تبعث فيهم الرغبة في طلب المعرفة، وليس على قدر ما تدفعهم إلى المزيد من الدوغماتية والتعلُّق بأصحاب القدرات لأن الإنسان مهما علا شأنه هو وفقاً لأبسط قوانين الدين أداة تحرِّكها القدرة الإلهية.
المحبة والمعرفة وليس الارتفاع عن الأرض:
بنظر الغنوصيين العنصر الأساسي لهذا الانبعاث الروحي هو "محبة الله" وقد تدفع هذه المحبة بالبعض إلى الوصول إلى درجات عالية من القدرات وهذه القدرات هي في الوقت عينه امتحان، وفقط الذي يتجرَّد من الأنانية يمكنه تخطي المراحل المتعدّدة لهذا الامتحان بأمان، وإلا أصبحت هذه القدرات هي الحاجز الأساسي الذي يمنع الطالب من الوصول إلى الهدف الحقيقي وهو التوحُّد مع "الله" عبر المحبة المبنية على المعرفة.
إن الشوق للقداسة على حد تعبير الحكمة المسيحية هو الدافع وراء التغيير وليس الأشياء التي تتأتّى للإنسان عبر هذا الشوق، ولكن مفتاح التغيير هذا غالباً ما يتم تجاهله في سعي المتديّن للتقدّم الروحي – السعي الذي يجسّد طمع ينقله الإنسان من الحقل المادي إلى العالم الروحي.
وكما يقول السيد المسيح في عبارات كالآتية:
"كثير هم المدعوون وقليل هم المختارون"
"تالله لهم في هذه الجزيرة قليلو العدد منقطعو الأصل والمدد."
كما وأكّد السيد المسيح أن هذه الظواهر سيكثر استغلالها في قوله: "سيأتي الكثير يتسمّى بإسمي"
وأشار إلى أن ما يميِّز نهج المسيح الحق عن المسحاء الدجّالين أو المدّعين هو عنصر "الشجاعة في الوقوف مع الحق": "إعرفوا الحق والحق يحرّركم..." و "المحبة" و "الصبر" وليس القدرة على التنبؤ بالمستقبل أو فعل المعجزات.
زمن خداع النفس:
وفقاً للحكمة الغنوصية إن المسلك الحقيقي للنمو الداخلي يوصف على أنه سبيل النفس حتى تصبح رفيقاً ملازماً للمقدّس التي تسعى إلى التوحّد معه. وهذا المسلك يقتضي "فطم" النفس عن رغبتها لكل الأشكال والصور المادية منها والروحية لتتخطّى عقبة "الحجاب" وتتمكَّن من الاتّحاد مع طبيعة "المحجوب" لأن قيمة الصورة تكمن في مصوّرها ولا تتم هكذا معرفة إلا بالتحرّر والانعتاق من كافة القيود المادية منها أو الفكرية.
لقد أكّد الغنوصيون أن الطبيعة المادية لبعض الرؤى تضلّل الباحث إذ يلتفت إليها بعيداً عن الله لتعيده إلى عالم الحواس مستغلّة غروره الروحي، وعاقبتها قد تكون الوهم والتضليل.
فخداع الباحثين لأنفسهم وللغير شائع جداً ومنذ قرون وأزمنة عدّة إلا أنه قد يبلغ أوجه في أيامنا هذه. وبهذا الصدد يصف الحديث القدسي هذا الوقت بأنه الزمن الذي
"يفر فيه المؤمن بإيمانه من داعٍ إلى آخر وأي داعٍ سادق في هذا الوقت."
وفي إشارة إلى عدد من التقارير حول أصوات خارقة للطبيعة سُجّلت في عصور خلت، يقول أحد الغنوصيين: "… إنني مرعوب ممّا يحدث هذه الأيام – تحديداً، عندما تعي بعض النفوس، بتجارب تأمّل قليلة، لأصوات هاتفة من هذا النوع في حالة من التذكّر، ويجزمون حالاً أنها تأتي من الله، مفترضين ذلك حقاً قائلين "قال لي الله…" أو "جاوبني النبي…" وهي ليست كذلك أبداً، لكنها وكما قلنا في مجملها، ما يقولون هم لأنفسهم، ويأتي فوق هذا كله، الرغبة لدى البعض لأصوات كهذه، والمتعة التي تتأتّى للنفس عبرها تجعلهم يختلقون أجوبة لهم ومن ثم يظنون أن الله يجيبهم ويتكلّم معهم…"
إن ميلنا للاعتقاد بما نتمناه قد يدفعنا أحياناً لاعتبار انطباعات غير علوية على أنها ذات جدوى روحية لأنها تتطابق مع آرائنا ومفاهيمنا، ولذلك على طالب المعرفة أن يدرس شخصية المصدر وآراءه قبل الاستماع إليه لأن بناء الشخصية التوحيدية هي مهمة أصعب بكثير من ممارسة التأمّل أو أساليب التأثير على الغير. لأننا بطبيعتنا ميّالون لأخذ أية علامة ندركها حرفياً وبعبارات آنية، غالباً ما نسيء فهمها ونصل إلى نتائج غير صحيحة. ولهذا السبب يجب أن نتفحّص معاني ومضمون تلك الظواهر بعناية وموضوعية إذا ما أردنا تفادي التضليل. وفي هذه الحالة وحده منطق الحكماء والفلاسفة التوحيديين وعقائد الحكمة الغنوصية المقدسة يساعدنا.
اللعب على ورقة "المستقبل" لاستعبادك في الحاضر:
الكثير من الأحيان يحاول ذوو القدرات التأثير علينا بشكل أو بآخر ولأغراض ليست بالشرط مادية، ويأتي هذا التأثير بالإيحاء عبر ربط شخصيتهم بالمصدر الذي يمثِّلونه وهو غالبا حسب ادّعاءاتهم "الله" أو "الأنبياء" على الرغم من تظاهرهم بالتصوّف والتواضع، بحيث أننا قد نجد أنفسنا مهدّدين داخلياً إذا خالفناهم من غضب ما نجهله. وهذا مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن القوة الإلهية غضوبة وعشوائية وتتطلّب منّا الطاعة لهم من أجل أمور نحن نجهلها حالياً. ويلعب هؤلاء على ورقة "المستقبل" لينالوا طاعتنا في الحاضر، إذ يتركوننا في حالة تربّص دائماً لما سوف يحدث في الوقت الذي يسلبوننا حاضرنا. وفي هذا الصدد لا علينا إلا الرجوع إلى المنطق المدعّم بتعاليم الحكمة الغنوصية التي أوضحت لنا أن عدونا الأساسي هو "الجهل" و"الخوف" وإذا أوقعنا أحدهم في إحدى هاتين الحالتين لا يمكن أن يكون مبعوثاً من الله أو ممثلاً لتعاليم أنبيائه وناهيك عن تحذير الأنبياء من هذا الوقت لكثرة المدّعين.
ليس الفضل بغياب الشيء:
وفي منظور الحكمة الغنوصية ليس الوهم وحده هو الإعاقة الكبرى التي تسببها تلك الظواهر. فأكثر تدميراً للرقي الداخلي هو الميل لتطوير مواهب كهذه، وعلامات كهذه، رغم أنها غالباً ما تكون مبهجة ومشجّعة، فهي ليست طريقاً نحو تطوّر أكبر، ومعظم الناس لا يتقدمون ما وراء المرحلة الظواهرية نتيجة استغراقهم بها. وفي هذا الصدد يشير أحد الغنوصيين القدماء إلى أن أصحاب "النهم الروحي" المفرطين والمنهمكين بظواهر النفس الحسية ينحرفون تائهين شأنهم شأن المستغرقين في الملذات الجسدية. ولهذا حذّر الغنوصيين الباحثين من هذه الظواهر بغض النظر عن مصدرها، ونصحوا بالمقابل على تطوير المفاهيم التأمّلية من دون تصنّع وعبر حياتهم العادية اليومية.
ففي المنظور الغنوصي، ليس غياب الشيء هو المهم بل غياب الرغبة بهذا الشيء ولذلك لا داعي للانعزال والتقوقع والتصوّف المزيّف، بل الأجدر مواجهة الرغبات والتغلّب عليها شيئاً فشيئاً عبر المعرفة والتجربة.
فلسفة الحياة أم مسلك الموت؟:
ولهذه الأسباب تميّزت الفلسفة الإغريقية عن الفلسفات المبنيّة على التأمّل والتعاليم اليوغيّة. ففيما تدعو الفلسفة الإغريقية المتمثّلة بتعاليم أفلاطون وأرسطوطاليس وأفلوطين إلى الارتقاء عبر تحقيق التوازن والاعتدال بين العالم الجسدي والعالم الروحي وعدم الإفراط في طلب أي من العالمَيْن، تدعو فلسفات اليوغا إجمالاً إلى التنظيم الفكري كمسلك على حساب الارتباط بالواقع المادي معتبرة هذا الواقع نوع وهم أو "مايا." وبذلك تكون الفلسفة الإغريقية متميّزة عن فلسفات الشرق باستيعابها للمشاكل المتمثّلة في رغبات النفس وطرحها حلول عملية ومنطقية لا تستوجب التطرّف إلى أيّ مسلك قد يصبح بسهولة عائقاً أمام أي رقي، فسقراط كانت حياته بأكملها هي مسلكه ولم يوفر أو يؤجل تساؤلاته الحاضرة إلى حالة من الغيبوبة أو إلى انتقاله إلى عالم آخر بل اعتبر الأسئلة بعينها تعبيراً عن حالة الوجود التي تقتضي وجوده في ذلك الجسد والروح والزمان والمكان وذلك هو قمة الرضى والتسليم ونهاية العلم والتعليم.
وحش ذو سبعة رؤوس:
"مَن كان صحيح اليقين قوي الحجج في الدين أطفأ نار الضد بماء الحقائد..."
شبّه القديس يوحنا اليقظة الروحية لسلسلة من المعارك إحداها هي الوقوف عند التطوّر الروحي كمسلك، وجسّد هذا التشبيه كوحش ذي سبعة رؤوس، "فبعض الذين انخرطوا في هذه المعركة الروحية ضد الوحش لا يحطّمون حتى رأسه الأول بعد نكرانهم للذات وللملذّات الحسية، ومع ذلك، بعضهم يدمّر ذلك الرأس ويقطعه، لكنه لا يحطم الرأس الثاني الذي يمثّل رؤى الحواس، وما يثير الأسف الشديد هو أن بعضهم بعد أن يحطم الرأس الأول والثاني وحتى الثالث الذي يمثّل الحواس الداخلية ليتجاوز حدود التأمّل ويسافر متقدّماً، ينهزم أمام هذا الوحش الروحي في لحظة ولوجه حالة النقاء الروحي، إذ أن الوحش ينهض من جديد ويعود إلى الحياة،
فتصبح حالته أكثر سوءاً من البداية…"
ولذلك تقول إحدى النصوص الغنوصية: "لا تستخفوا ولا ترفعوا من شأن الظواهر الخارقة، بل دعوا التلامذة يدركون مدى أهمية العمل الإرادي في الخير والإحسان عند الله بالمقارنة مع كل تلك الرؤى والاتّصالات التي قد يتلقونها من السماء."