|
|
صوت المسيح الحق ما زال يتردد في داخلك، ولا يمكنك تمييز ذلك الصوت إلا بمعرفة جوهر الحكمة المسيحية القديمة
صوت المسيح الحق ما زال يتردد في داخلك، ولا يمكنك تمييز ذلك الصوت عن اصداء الأصوات الأخرى إلا بمعرفة جوهر الحكمة المسيحية القديمة:
حالما يدرك الإنسان ما علّمه إياه السيد المسيح بأن الطبيعة الآدمية هي في الأساس مقدسة فإنه يدرك العظمة والقوة الحقيقية الكامنين فيه. وحينما يقرر أن يعمل بناء لإدراكه هذا تصبح حياته تدريجياً نعمة له ولكل المحيطين به.
إن الوجود مفعم بالمعاني، وعلى طالب المعنى الأعظم من الوجود أن يتوجّه بنظره إلى الموجودات وليس إلى قوى وهمية أو سماء أثيرية غير منظورة...
إن أسمى آلات المعاني في الموجودات هي الصورة الآدمية، ففقط بواسطتها تتجلّى المعاني النبيلة: الحق والخير والعدل والمحبة.
أن التفاؤل بهذه المعاني يدفع بالطالب إلى الدفاع عن بقائها واستمراريتها بصدق هنا على الأرض وليس في السماء، وهذه من أولى مبادىء الحكمة القديمة: "صدق اللسان و حفظ الإخوان".
وهنا لا بد من الاعتقاد بوجود الخير والشر المطلق، والاعتقاد بحقيقة تجسّدهما على الأرض، فمن غير الاعتقاد بهذا المبدأ الغنوصي الذي تمّ حذفه من الأناجيل المسيحية لخطورته، لا يمكن للطالب أن يتغلّب على مظاهر النسبية للخير والشر على الأرض والتي تسعى دائماً إلى إحباطه. ومَن لا يؤمن بهكذا وجود، فالأفضل له أن يلزم الإنكار والجحود...
فـ"كل وجود شيء وكل شيء وجود"، وحتى (قوّة العدم أو الشر) تتجسّد على الأرض بأشخاص أبناء الظلمة، ولا لزوم هنا لإعادة ما أوتي ذكره في أسفار إخنوخ عن تجسّد الملائكة والشياطين وعن الحروب القديمة التي شهدتها الأرض في الأدوار السابقة، ومن هنا نأتي إلى إحدى أهم مبادىء الحكمة القديمة: "قِدَم الكون"
فلا وجود لأرواح من غير أجساد، وتتقلّب الأرواح السرمدية في تلك الأجساد أبداً حفاظاً على هذا القانون، ومن هنا نصل إلى إحدى عقائد الحكمة القديمة "التقمّص" وهي ببساطة امتداد لحكمة "كل وجود شيء وكل شيء وجود" وإلا كان للعدم وجود غير معقول أو منظور يتحدّى طبيعة الوجود المنتسب إلى المعقولات التي لا تعرف على ما هي إلا بالمحسوسات،
فلا تُعرَف الأرواح على أنها موجودة إلا من خلال الأجساد، وبما أن الوجود أبدي فكذلك تقلّب الأرواح في الأجساد أبدي، بالتالي الجنة والنار يتحققان على ألأرض ومن خلال الجسد: أداة الثواب والعقاب. وإذا تمعنّ الطالب فيما تبقّى من أقوال السيد المسيح يجد تلميحاً واضحاً حول حقيقة التقمص وخصوصاً في ما يتعلّق بسؤال تلاميذ السيد المسيح عن إيليا المزمع أن يأتي وبتأكيد السيد المسيح بأن إلييا قد أتى ولكنهم لم يعرفونه لأنه أتى في زمن لاحق بشخص "يوحنا المعمدان" وكذلك لمّا سألوه عن ابراهيم فقال: "الحق أقول لكم انني أنا كائن قبل ابراهيم..."،
وغير ذلك كثير من البراهين والأدلّة.
إن حكمة إبداع الخلق البشري بخلاف أي إبداع آخر أتت لتصوير معاني الخير والشر. ومعرفة قداسة الصورة الآدمية هي الجنة وجهلها هو النار، لأن هكذا معرفة وهكذا جهل ينعكسان مباشرة على حالة الوجود الإنساني على الأرض، موطن تجسّد المعاني وتراكيب الثواب والعقاب للأنفس...
وحدها هكذا معرفة لسر الوجود الآدمي وإمكانيات الصورة يمكنها أن تحرّك القوى الخلاقة الذاتية الموجهة بحوافز نبيلة كي يتحقّق التغيير على الأرض.
فعلى الطالب إذاً أن يبحث عن المعنى الأسمى من وجوده من خلال تجسّده هنا والآن وبصورته هذه وتعابيرها وأفعالها.
لقد قال السيد المسيح "الحق الحق أقول لكم إن من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أنا أعملها ويعمل أعظم منها لأني ماضٍ إلى أبي " (يوحنا14/12)
هذه الآية من أكثر آيات الإنجيل غموضاً وقلما عرف الشارحون معناها خارج المفهوم العرفاني للحكمة القديمة. فتلك الجذوة المنتسبة للسيد المسيح في داخل الإنسان هي مفتاح التحكّم بالعالم المادي أي ما يُعرَف في الحكمة القديمة بالـ "همّة المؤثّرة" والتي ينتج عنها معجزات كتلك التي شهدها العالم في عصر السيد المسيح.
فقول السيد المسيح "إن من يؤمن بي..." لم يكن إشارة إلى شخصه وحسب بل إلى "المعنى الخفي" الذي يمثله "روح المسيح" (أي الـ"لوغوس" أو العقل الكلّي)، وقصد بقوله هذا أنه علينا الوثوق بالروح المتوهج في كل منا. وهنا على الطالب أن يميّز بين مفهوم العقل الشائع أي "العقل الدخيل المكتسب" والذي تُنسب أعماله في الحكمة القديمة للـ"نفس" وليس للعقل ويتمثّل اليوم أكثر من أي زمن مضى بالفضول العلمي الممسوك بغريزة التجارة، وبين عنصر العقل الكلّي الأرفع ويتمثّل بقوّة الحدس، والتواضع المبني على قوانين المعرفة، والمحبة للصورة الآدمية، والتفاؤل بالموجودات، والتجرّد عن حب الذات حتى في طلب الحكمة وهذه نقطة بالغة الأهمية إذ تميّز العارف عن العابد، والحكيم عن المتصوّف، والتواضع الحقيقي عن التواضع المصطنع والذي يخفي ملامح الكبرياء.