|
|
إن دراسة التاريخ متجذرة في فهمنا للإنسان والكون. والوقائع بحد ذاتها لا تحتوي على أي معنى حتى نعيد ترتيبها ونقرنها ببعضها البعض لنحدد ما هو مهم وما هو السبب أو النتيجة فيها. وكل تلك الصفحات المحررة في الصحف اليومية تظهر تماماً كم من نتيجة مختلفة نستطيع أن نستخلص من واقعة واحدة بالاعتماد على وجهة نظر المراقب. والتفسير المماثل يهيمن على كل حقول المعرفة. فقد تبنى المؤرخون أفكاراً عامة في العلوم الفيزيائية والبيولوجية كثوابت كما تبنوا علوماً اجتماعية واقتصادية وبسيكولوجية، وتلك الافتراضات تتضمن نظرية النشوء المادية كمنحى تفسيري مقبول وكأنما الحقيقة هي ترتيبات للطاقة والمادة كما تعكس الأفكار السائدة في علوم القرن التاسع عشر:
لكن الحكمة القديمة التي ترتكز على حقائق كالتقمّص وقِدَم وجود الحضارة الإنسانية على الأرض وما تبقّى من دعائم لها كوصف الحكيم العظيم أفلاطون لقارة أتلانتس أو ما تبقّى من آثار تتحدّى مخيّلة المؤرّخين كإهرامات مصر الهرمسية، كل هذا يضرب بعرض الحائط نظرية النشوء المادية ولا سيما الجزء الذي يتعلّق منها بجذور الخلقة الآدمية. وتأتي الأناجيل والمخطوطات الغنّوصية التي تمّ اكتشافها في قمران كخير شاهد على أحداث شهدتها هذه الأرض عن أصل الإنسان وسبب الوجود الآدمي تكشف النقاب عن التاريخ الممنوع والأسباب التي دفعت حكّام الأرض للتنكّر لهذا التاريخ ولطمس عقائد الحكمة القديمة لخطورتها تماماً كما خُفِيَت آثار عقيدة التقمّص من تعاليم السيد المسيح للخطورة التي شكّلتها هكذا عقيدة على مصالح السلطات الدينية على الأرض.
إن ما نقدّمه لك عزيزي القارىء على صفحات آدم هو خلاصة آراء سياسية وروحية من الحكمة الممنوعة التي تكشف المعنى الخفي والحلقة المفقودة التي تربط أحداث التاريخ منذ بدء التكوين (أي منذ ملايين السنين) بالصورة الآدمية، ومن ضمن مبادئها الأولية الأسس الروحية للكون والظهور الآدمي وكلية الوعي الذي يربط الحياة والوجود. والكون بالنسبة للحكمة انبثق إلى الوجود كياناً مقدساً مربوطاً بنظام يرتكز على طاقة الوعي. وكذلك النظام الشمسي أو حتى الذرة، كلها كينونات تأخذ مكانها في البنية المعنوية التي تخدم الهدف الأعظم من الظهور الآدمي وهو "العقل الأرفع والأخير الذي يربط الأشياء بمصدرها ويعيد التكوين إلى مكانه السامي في فكر الأب".
ولعل التأثير الأكبر في التاريخ الإنساني يأتي من القداسة الداخلية في الإنسان، وكل إنسان هو في جوهره المقدس ذروة لتجارب الكون بأكمله ومنذ بدء التكوين، تتقلّب تلك الأرواح المحكوم عليها بحكم الوجود أصلاً بالديمومة في أقمصة المعرفة: أدوات التجربة ألا وهي الأجساد. فنحن نأتي إلى كل حياة جديدة من حيواتنا اللا معدودة حاملين معنا قضية الوجود الكوني بأكمله منذ تاريخ انبثاق الوعي من فكر الأب، وعالم الأجساد محكوم بالنسيان، ومحتوم التخيير اقتضى أن تتيقّظ قدراتنا العقلية على هذه الحقائق على قدر استعدادنا الفردي بنعمة العقل الأخير أو العقل المميّز.
وما يشكل منعطفاً أساسياً في التاريخ الفكري هو ظهور نخبة البشر "حدود الوعي" الأنبياء الحكماء والنورانيين كنوز أقاليم الدين، الذين أيقظوا العقول وأضاءوا للبشر سبل طبيعتهم الروحية، أولئك المعلمون الكبار الذين لقنوا البشر كل علومهم وفنونهم وحقائقهم الروحية والذين نجد آثارهم في كل الأساطير والفلسفات والأديان والحضارات. لكن هيمنة المادة حجبت الإنسان عن وعيه الروحي وعن تعاليم أولئك المعلمين.
إن ثمة حضارات تعود إلى ملايين السنين ازدهرت ثم اختفت، ومحت رسمها العوامل الطبيعية كالبراكين والزلازل والفيضانات والتصحر وتحرك الكتل القارية، وقلما وصلنا عنها شيء. وتتجاوز ذاكرة الحكمة المقدّسة هذا التاريخ السحيق (الآلاف المعدودة من السنين وفق التقاويم الدينية والآراء العلمية التي تعتبر تحضر الإنسان يعود أيضاً لآلاف قليلة)، بل إنها تؤكد أن ثمة حضارات متطورة مادياً وروحياً ازدهرت منذ ملايين السنين وتناقلت علوم تلك الحضارات عبر تقمص الأشخاص خلال كل تلك الحقب.
إن التركيز على النظرة المادية ورفض خلفية الوجود الروحية يفسد نظرة العالم للإنسان وللطبيعة. فيتباهى إنسان اليوم جهلاً بقدراته الحاضرة ظاناً أن أسلافه كانوا قروداً متطورة كما في نظر بعض المتفلسفين الجاهلين بدل أن يعتبرهم إرثاً روحياً غنياً له. وحينما يدرك أن الروحي هو الحقيقي والمادي هو انعكاس له، يعطه هذا الإدراك منظوراً مختلفاً للحياة وكأنه قد ولد من جديد، أو قد مُنِح فرصة أخرى للحياة، فيدرك عندها أن التاريخ المدوّن هو مجرد جزء ضئيل من تاريخ الإنسان المتحضر، وأن الحقائق التاريخية تكمن في ملاحم هوميروس وأساطير أفلاطون وتعاليم إخنوخ وشرخ وآثار هرمس الهرامسة وامحوتب والسيد المسيح وما قبله وما بعده من قصص الأقدمين التي تخفي في طياتها حقائق علمية وروحية على السواء وليست مجرد تخيلات. إن كل معارف العالم الغارق في الكوارث والحروب الأخلاقية هي في معظمها مبنية على نظريات وفرضيات حول طبيعة الكون والإنسان. وبتبديد هذه النظرة المادية التي وصلت في عصرنا الحالي إلى الذروة، فإن الحكمة المقدّسة في أسرار الآيات والسور والحكم هي الوحيدة التي يمكن أن تقود إلى كشف أصول ماضي الإنسان