صدى الآهات يتوسّع في الآفاق وجو العواصف لا يخلو من الصدمات

بوادر السلم فاشلة واللجوء إليها كارثة

معطيات الأقوال تقول: السكون مفتاح الأسرار

ضاقت الأنفس واشتدّ الزمان، وتصاعدت نزعة العنف المتحكّمة بسلوك الإنسان. ودار الزمان دورته إلى أن استقرّ في عصر المتاهات – عصر الشكوك والظُلُمات – عصر العصيان وفقدان الإيمان.

صدى الآهات يتوسّع ويتصاعد في الآفاق، والأجراس تدق بكثرة هذه الأيام، والدوامة بدأت تتسارع دوامة الصراع ودوامة السلام – السيطرة والاحتكار، الفوضى والإهمال، فكلّ بوادر السلم فاشلة واللجوء إليها كارثة، لأن لغة الزمان تسير حسب المكان لتحقيق المزيد من العبر وتعبّر عن طبيعة الإنسان.

وما يجري في لبنان يعكس الصورة –  صورة العالم واهتزازه المتزايد بالآتي وما يحمل، كالمدمن الضعيف الإرادة يعرف مصدر الداء ويدرك طريق الشفاء ولا يجرؤ على تجرّع الدواء. يسرّه ما يضرّه ويتناول المسكّنات من نصائح وتوجيهات بعض الأصدقاء والأشقّاء والأحبّاء – ومن الحب ما قَتَل.

العالم يغرق بلغة الفعل وردّة الفعل، لغة الاندفاع ومن ثمّ الدفاع، وما نتيجة وضع النار مع الحطب –  طبعاً الحريق بصراع إسلوبهم ونزاعهم بالعناد وعَدَم التحكّم بضبط الأعصاب.

فجو العواصف لا يخلو من الصدمات، وإذا اختاروا الاختلاط به فليتحمّلوا نكباته.

والأشياء تجني على نفسها وتأكل نفسها، وفي حال السماح وعدم وضع حدّ لها تداخلت أكثر وأكثر. 

أما السكون لدى الموحّدين فهو مفتاح الأسرار لأن عجائب الدنيا تتطلّب الاهتمام، وقد بدأت تظهر وتنكشف، لكن الناس نيام.  فاليقظة والسكون هما سلاح الموحّد مهما صغر حجم دوره في التاثير على الواقع، فكلّ له خياره وقناعته ونظرته وفراسته، وللحياة نغمات تخفّ مرّة وتعلو أخرى، فالأهم هو ثبات الخطوات، فعندما تسعد النفوس تسبّب السعادة للغير.

وسكون التركيز وسط ضجّة الإعلام يصدر عنه عبرة التحكّم بالدال والدليل والمدلول، فالكلام المحدّد بأي أمر مهما كان بسيطاً هامّ ويعطي نوع قصير في التعبير عن الحقيقة لمحبّيها المتطّلعين العارفين دقائق تطوّراتها وحقائقها. فللكلام حدود واتّجاهات استيعاب وإفادات، ولغة التعبير لهجة لمعرفة السبيل والسعي وراء الدليل للتعريف ومن ثمّ الإخبار عن الواقع وحالة التوحيد بعيداً عن التشويش..

فالحق له صنيعة في هذا الزمن ليدافع عن نفسه ويثبت وجوده رغم أهل العناد. وقوّة الحق في هذا العصر والزمان تكمن في التعايش مع المكان. وكلمة الحق كانت وما زالت منذ البدء لا تقبل النقص والتبديل، وعندما خالفها الخلق بدأت تظهر على صفحات التشكيل والتمثيل..

أما ساعة الظهور الأكبر، فلا يدرك سرّها إلا الخالق ولا احد يستطيع تعجيلها أو تأجيلها، فدولاب الزمن يدور مع تصاعُد الأيام على خطّيْن متعاكسَيْن، خط الإصلاح وخط التخريب، ومع اقتراب مرحلة التقاء الجهتيْن لا يسع الموحّد إلا التمسّك بحبل اليقين وتنظيف مرآة قلبه من بقايا الظلمات ومن تراكُم غبار الأزمان والفترات للتمكّن من السير بصبر وثبات إلى يوم الإثبات.

فالقوى النورانية والحكمة الإلهية لا تنبت إلا في أراضي النفوس الآدمية المزوّدة بالمحبة الروحانية المطمئنّة بالرضى والسعادة المحمّلة بقوّة الإرادة وثبات الشخصية مع التوجيه المتحرّك دوماً لبلوغ المحل الأسمى.

ولم تأتِ هذه القوى للأنفس الرضية إلا نتيجة صراع دام عصور ودهور... قرّرت محاربة الزمان وتغيير المكان، وكل مرّة غلبت على هذه الأنفس المعاناة نتيجة ضعف أو تعب، اغتبطت بمعارف حدود الإرادة فلم تُحرَم الاستفادة من تراجع الميليمات، فأخذت استراحة،  وفي كلّ عصر جاءَ فيه مَن يحرّكها امتلأت بالمحبة والحنان وفاضت من جديد، إلى أن جاء مَن يحرّكها في أقدس العصور وأشرف الأمكنة فظهرت الى النور بعد الألفين في زمن التحام القوّة مع الخبرة والتقاء المعقول بالمحسوس، وهو ما ترتاح له النفوس بعد رحلة المعاناة الطويلة، وتتخلّص عبره من حالة الجمود والارتخاء والتراجُع.

لكم الفوز والنجاح والرضى بنعمة الاختبار والتقدّم لإثبات الوجود واكتمال دائرة الحق للبدء بمسيرة الانفتاح للتعبير عن مدى التوحيد وصبر أهل الصلاح لزوال الغشاوة عن أعين أهل الإيمان الذين ما زالوا متمسّكين بالتقليد والعناد.

عودة إلى الصفحة الرئيسية