|
|
من أسرار قِدَم التجربة الآدمية
يعتقد البعض أن في نهاية الزمن سيأتي الخلاص فجأة وسيرتفعون إلى السماء أو إلى عوالم أثيرية. ويتمسّك الأصوليون في كل الأديان بهذا المعتقد ويحاربون أي برهان يؤكد نقيضه.
منذ زمن بعيد كان هناك ثمة روايات عن حروب قديمة بين الملائكة والشياطين، وإذا تمعّنت في بقايا آثار تلك الروايات في الكتب المقدّسة، أو قرأت مخطوطات الحكمة القديمة التي تمّ حذف مضمونها من الأناجيل، ستكتشف أن تلك الحروب لم تحدث في السماء بل دارت أحداثها على الأرض، حروب أدّت إلى اختفاء قارّات بأكملها عن خريطة العالم – حروب كوارثية لدرجة أنه إذا حاولت أن تتصورها قد تتكوّن لديك صورة جيدة عما يسمى بـ "نهاية العالم ".
فمن الروايات البابلية التي تعود إلى آلاف السنين والتي تحكي عن طوفان مدمر غمر البشر والحجر، إلى رواية أفلاطون عن سلسلة من الاضطرابات المادية والروحية أدّت إلى دمار حضارة الأتلانتس القديمة، الأقدمون تمتعوا حتماً برؤية يستشرفون بها العواقب التي تنتظرهم أكثر مما نتصوره نحن اليوم.
ورغم ذلك، نستدل من أخبار الكتب المقدسة وغيرها أن الناس عادة قد استطاعوا النجاة من كوارث قديمة، وأُعطي لهم عند نهاية كل دور أو "قيامة أرضية" فرصة أخرى نحو بداية جديدة. فشهدت أرض "كيمو" (أي مصر) مثلاً انطلاقة جديدة للإنسانية بعد نهاية الدور الأتلانتي، فأصحاب البصائر الأتلنتيين الذين توقّعوا بقوّة حدسهم نهاية أتلانتس تمكّنوا من الإبحار إلى مصر والحفاظ على جواهر الحكمة الأتلانتية التي الهمت رحلة الأديان السماوية.
ومع ذلك، حينما قارن أفلاطون هذه النهاية الكوارثية القديمة مع تلك المتوقعة في نهاية هذا الدور الآدمي الأخير، فقد اعتبر أن الحروب الخارجية كحروب الشعوب والقارات والنهايات الكوارثية التي تنتج عنها مهما كان تأثيرها مدمراً فإنها تشد من أواصر الناس (باتحادهم في مواجهة مصير واحد). ولذلك فإنها ليست على شيء مقارنة بتلك الكوارث الداخلية المتعلّقة بالأنفس الفردية حيث يقع الصراع داخل كل إنسان في زمن الديمقراطية المزيّفة التي تنبأ بها أفلاطون – الزمن الذي يصبح فيه الكلب أكثر قيمة من الإنسان – الزمن الذي يقوم به الأخ على أخيه والأب على إبنه والإنسان على نفسه، ويُترَك كل امرء وحيداً ليلقى مصيره بنفسه.
بوسع الإنسان من وجهة النظر الأفلاطونية أن يتعلم أكثر عن هكذا "نهاية" أو بالأحرى طبيعة "القيامة" التي تشير إليها الأديان السماوية ونبؤات الدور الآدمي الأخير عبر مراقبته للشر المتنامي على مستوى الفرد (حرب الإنسان مع نفسه) أكثر من أي شكل من أشكال الشر المتجسّد بسلوك الشعوب تجاه بعضها البعض أو بصراع القارات مثلاً أو حروب الطبيعة، وبعكس أي نهاية سابقة.
ومع كل خيار يتخذه الإنسان اليوم حتى على أدنى مستويات الفعل، وفي خضم الانحلال العالمي لكل مقاييس الخطأ والصواب، وفيما العالم يتحول إلى ما يُسَمّى بـ " قرية كبيرة ". فإن كل واحد منا هو على موعد خاص مع نتائج أفعاله أو مع "نتائج النتائج" بشكل عام.
لقد قام الإنسان عبر تقمصاته التي لا تُحصَى على الأرض، وعبر تجارب أدواره السابقة، بجهاد كبير في شتّى أنواع الحروب: شارك كل فرد في حروب القارات (قارة ضد قارة)، والأعراق (عرق ضد عرق)، والحضارات (حضارة ضد حضارة)، والأمم (أمة ضد أمة) والأديان (دين ضد دين)، وهكذا يكون الإنسان قد استنفذ كل الاحتمالات، وثمة احتمال واحد عليه أن يواجهه –الحرب الأكثر قدماً، حرب النفس – حرب الأفكار – الحرب التي تناجي سر الأسرار (سر ارتباط الروح بالجسد)، ونتيجتها ستكون إما سلاماً داخلياً أو جهنماً لا نهاية لها، لأنه كيف يتسنى لأبناء الشرائع الجسدية الانتصار في حرب تناقضات الأفكار اللامتناهية من غير معرفة الشريعة الروحانية؟
فقط أبناء الروح المتنوّرين بتلك المعرفة المقدّسة، قنديل ظلمات الأدوار السابقة وفجر هذا الدور الآدمي الأخير الذي بنوره يعمى هذا التاريخ السكران بدماء الأنبياء والحكماء المنحرف عن تعاليم العقل المنجرف بعيداً عن دائرة النور.
أنّى لهذا العالم الخلاص وقد فقد نعمة الرؤية للمعنى الخفي لما لديه من الأديان، وحسبه ما أبدي له من دلائل وبراهين.
أنّى لهذا العالم الخلاص وقد نسي الحان الحكمة الهرمسية وأنغام الفلسفة الإغريقية وإيقاعات الرسائل السماوية وأخذ يستمع إلى دق الطبول.
أنّى لهذا العالم الارتباط بحبل الخلاص وقد امتلكته عقدة الذنب المتراكم، فأُخذ بجنون عظمة مأساته، فرقص رقصة اليأس عند مطلع فجر الأمل، وكيف لطبيعة الأمل أن تلتقي مع طبيعة اليأس؟
وكيف لِمَن جهل حدود المعرفة أن يعرف حداً لليأس؟
وكيف يتسنى لأحد الهرب من عجلة الولادة والموت؟ وإلى أين يظن نفسه هارباً بعد الموت؟