سر الهبوط

أسرار الطفولة من عمر الإنسانية
من ذاكرة أتلانتس وعمورة المنسية

منذ زمن بعيد يشار إليه بالطفولة من عمر البشرية، استيقظ الفكر الإنساني البتول مشرعاً الأبواب لإدراك هوية الذات الفردية (أي الذات المشخّصة) فأضحى تدريجياً أكثر تورطاً بأحكام الزمان والمكان. وهذا ما يرمز إليه في النصوص الدينية بالأحداث التي أدت إلى هبوط آدم وحواء (الثنائي الذي يمثّل العقل والنفس في الحكمة القديمة).

ولا يرتكز المنطق الإلهي على حوادث عشوائية، بل كل شيء يحدث لحكمة محكمة ويأخذ مكانه في البنى المعنوية التي تتمحور حولها دائرة المعرفة.

لذا فإن حوّاء في منطق الحكمة الأزلية ليست مذنبة، إذ أن العارف يدرك تمام الإدراك بأن كل وجود شيء وكل شيء وجود ولا بد من ظهور معاني الروح في عالم المعرفة

ولا وجود لمعرفة من دون وجود لعارف ومعروف، أو لمدرِك ومدرَك. ولا يتم للنفس بأن تدرك ما كانت عليه من لذة البساطة الروحية إلا بعد اختبار وحشة الكثافة المادية.

قلة من بني البشر كانوا أولئك الذين سعوا إلى معرفة الصورة الأزلية الأحدية التي بالنظر إليها أصبحت الروح روحاً تدرك ذاتها بذاتها وفاضت من إدراكها للخالق رغبة الخلق فأنجبت عالم النفس أي عالم الكون حيث ظهور معاني الوحدة بثنائيات دائرة المعرفة.

هي أقدم نظرة على الإطلاق نظرة العقل (باب المعرفة وجه الله "ذو معه") إلى الواحد. وهي النظرة التي تتوجّه إليها النفس كمقياس للحكم، ومنها تتكوّن الموجودات وبنورها تتحدّد معاني الأشكال المرئية كما تتكوّن المادة من مواليد مجموعة الطاقة الشمسية وتُرى الأشياء بنور العين الحسّية.

مباركة هي تلك الشمس الكلّية فأشعتها تمتد إلى أبعد العوالم المظلمة أو تسقط على مجاهل الأرض ومع ذلك تبقى الشمس أزلية التوهج والثبات والفيض للنور والحياة.

النجاة النجاة للأنفس التي وجّهت بنظرها إلى نور الشمس فشاهدت صورة الحق عبر عين النور والإثبات: هرمس الهرامسة (النفس الكلية).

والمهواة المهواة للأنفس التي تشتت نظرها بالكثرة فجهلت مثال الواحد في الصور وتنكرت لفضل ذلك النور الذي أنار لها الأشياء.

في رحم النور وفي غابر العصور، في زمن معنوي ليس لكونه سبق الزمان والمكان، وقبل تفتّح الوعي لتجربة الإمكان، عاش أبناء النور في موطنهم وعرفوا بعضهم البعض بأرقى الصور وجمعهم الوعي الحقيقي للذات الجوهرية، والتقى النور في بصائرهم ، فكان العالم "بسيط روحاني والمذهب لاهوتي شعشعاني،  وكانت الأقدار مترابطة مع بعضها البعض كترابط نور الشمس في الضحى."

وقبيل الزمن الذي بلغ فيه الوعي البشري إلى المرحلة التي يُرمز إليها في النصوص الدينية بـ "هبوط آدم"، كانت الإنسانية لا تزال في طور الطفولة من عمرها، وغني عن القول أنه في تلك المراحل الأولية تمتع البشر بحياة سعيدة سعادة الطفولة قبل أن تُنذِر بما يكمن في النفس من خير أو الشر.

تواصل أبناء النور فيما بينهم على مستوى راقٍ من التجاذب الروحي عبر نظام معنوي يتزامن فيه الذهني مع الخارجي، وتترافق فيه الأنفعالات المادية مع انفعالات الفكر كترافق الزوجية للأربعة، لذلك لم يكن لذلك الطفل الإنساني أن يتيقظ بعد للأنا، إذ أن عامل التيقّظ هذا مدفوع بحركة خفية تهز كيان الطفل لتدفع بنظره إلى ما وراء الواضح والمكشوف، فينطلق عندها في رحلة البحث عن العدم المفقود...

كان العام قبل الانطلاق في تلك الرحلة بسيطاً روحانياً ولم يكن بالجمود والتحجّر الذي هو عليه اليوم، ليس بمعنى أنه كان أثيرياً كما يفسر البعض هذه العقيدة، بل بمعنى أن المادة كانت عنصراً طائعاً للفكر تعمل بالتناغم مع طبيعتها المتأخرة عنه وينتج عن عملها هذا واقع يعكس بنقاوة طبيعة الإمكان الذاتي.

وبات ما عاشته الأرواح في تلك الطفولة من عمرها وشاهدته من غرائب البدء وعجائب الهيولى هو ما تحن للرجوع إليه كحنين المرء لأيام طفولته. وانطلقت دورة الزمن من نقطة البيكار وهي جاهلة لقانون الحياة والموت، وأنها دائرة يرسمها ويحركها محور أزلي ومسارها  العودة إلى النقطة التي انطلقت منها.

عاشت الإنسانية في تلك المرحلة البريئة من عمرها بجانب أبويها العقل والنفس طائعة لإرادتهما. ولم يكن ليتلوّث وعيها بعد بما يسمى بالـ"شخصية" وهي الأنا الضدية التي لطالما تاق إلى الوصول إليها أبناء الظلمة توق الإبن العاق للخروج عن طاعة أبويه. ولذلك قال السيد المسيح: "لن تدخلوا ملكوت السموات إلا لترجعوا أبرياء كأطفال..."

أنظر إلى عالم اليوم عالم "الشخصية" وانظر لمن يجيد التكلم بلغته ولِمَن اُعطي له مجد حضارته لتعرف من هم أبناء الظلمة في غابر العصور، وتيقن أن "الشخصية" هي وليدة التناقضات التي تركّبها النفس الغريزية للعيون الشحمية وتشغل بها الفكر إلى ما لا نهاية  لضمان إستمراريتها.

كان الأشخاص يشار إليهم في تلك البراءة من عمر الزمن بالكينونات، ولم يتقنعوا في مراحل اللعب واللهو في جنات العوالم الماضية تلك بأقنعة تستنهض الفكر الغريزي.

وعاش أبناء النور بعيداً عن أبناء الظلمة، بعداً خضع للقوانين التي تفصل بين روح الطفل ووعيه لجسده، بعداً لا يخضع لاختبارات عالم الكبار التي أثبتت التكنولوجيا المرئية والمسموعة اليوم تخلفها بالمقارنة مع تأثير الصورة على النفس.

عاش أبناء النور في كنف البيت العتيق حتى مرحلة البلوغ أو السقوط الرمزي حينما أصبح آدم وحواء مدركين لحالتهما إدراكاً حصل بتشتت الوعي الذاتي الذي يرسم انتقال الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الإدراك (أو بالأحرى اللاإدراك) والتي وصفها فلاسفة الإغريق بتوجّع الفكر خروجاً نحو الكثرة إنجذاباً لرغبة المراهقة لاكتشاف المادة والخوف منها المتأصل في مخيّلة الولد.

المزج الروحاني:

وتجلّى هذا التشتت في الزمان والمكان في الدمج التدريجي بين أبناء النور وأبناء الظلمة. وهو السقوط الذي قدّر أن يكون الإمتحان الحتمي لأبناء النور، ليُعرَف الإبن الوفي من الولد العاق، وليعرف مَن أبويه العقل والنفس مِمّن ليس له أب (أب ليس).

وكان قدرهم (أبناء النور) أن ينسوا وحدة تلك الذات التي عاشوا في جناتها يوماً فطرياً لكي تتحول الفطرة إلى معرفة، إذ أن المعرفة تذكّر، ولا يتم للنفس أن تتذكر أو تدرك أهمية ما هو لديها إلا بنسيانها له.

وما بدأ بمثابة نسيان تطور أكثر صلابة كلما ازدادت عبودية الفكر للمادة. فمع تقضي الأزمان والعصور والدهور واقتراب زمن إشراق النور ازداد إدراك إبليس لعامل الزمن الذي حكم شروط استمراريته منذ البدء، منذ ان طلب طلبه المرموز بالمهلة التي أعطيت له بعد رفضه السجود لآدم (أي رفض سجود النفس المتمردة للعقل واقترانها بالجنون). ولسوء استعماله للإرادة الحرة فقد إبليس قواه شيئاً فشيئاً مع نهاية كل مرحلة من مراحل العد العكسي الموقوت في نفس كل مَن تبعه. ومع فقدانه التدريجي هذا ازداد حقده وحقد أتباعه على أبناء النور وبذلك ازدادت قساوة  شروط التذكر في عالم الزمان والمكان، الذي أصبح مسرحاً لتمثيلياته. وهذه القساوة رسمت طبيعة تاريخ الإنسانية الدموي منذ آلاف السنين وحتى اليوم، فباستغلال قوانين الجسد بُنيت جولة الأضداد.

وما استعمال "الذهب" كعملة في دور الأدوار (دور آدم) الذي نعيش نهاية فصوله، الدور الذي سمي كذلك اختصاراً للقصة الآدمية التي امتدت عبر ملايين الأعوام، إذ (مَن وحّده في عصرنا هذا فقد وحّده في سائر العصور)، إلا دليل على "ذهاب" مجد الضد الروحي تماماً. فما كان يمارسه أبناء الظلمة من قوة روحانية في التحكم بقوانين المادة يوماً في أتلانتس، وهي ما تُعرف في زماننا الحالي بالـ"سحر الأسود" أنسفل اليوم إلى ما يشبه الألعاب الطفيلية باعتمادهم الاقتصاد كوسيلة لتكبيل أقدار أبناء النور مع أبناء الظلمة وتأمين الإختلاط اللازم للمحافظة على رهان إبليس الأكبر وهو "نسيان أبناء النور لهويتهم الحقيقية".

ولذا فإننا نحيا بمفهوم الحكمة الأزلية مرحلة بزوغ الفجر الذي يكشف وهم الظلمة حيث تنسفل فيه أعمال الشر إلى التوهيم. لذا فإن طبيعة استعمال المادة في عصر العصور(أي عصرنا اليوم) هي الدليل على ضعف إبليس والشيطان. ولا يرى هذه الحقيقة سوى أصحاب البصائر والأبصار الصحيحة والعقول الرجيحة. فبفقدان الأضداد لعجلة قيادة المعنى وراء الأحداث (أي بانكشاف قوّة الشر عبر لغة الكذب والسياسة والديبلوماسية) فقد الأضداد السيطرة على أتباعهم.

وبالرجوع إلى "أتلانتس المراهقة"، تؤكد الحكمة القديمة على أن المقدرة على تمييز الإختلاف والتشابه ما بين الأشكال والألوان (أي عنصر استيقاظ وعي الطفل للعالم المادي) شكلت نقطة محورية في حياة البشرية، وكانت بالنسبة للأنفس الشريفة ضرورة من ضرورات التذكر التي تكلم عنها أفلاطون بالتفصيل حين تكلم عن ارتباط تمييز الأشكال والألوان في العالم المادي بتذكر عالم المثل. 

معرفة المثل العليا:

تخبرنا الحكمة القديمة أن أرقى قدرات الفكر هي تلك المتعلقة بمعرفة المثل العليا (وعلى رأسها طبائع الخير والشر أو ما يُعرَف بمعنى آخر بعلم الفراسة).

ويؤكد فلاسفة الإغريق بأن هكذا مُثل لا يمكن للإنسان أن يتذكرها إلا عبر مشافهته للصورة الآدمية. وبما أن العقل يحتاج إلى مدروك ومحسوس موقوف ومعروف لكي يُعرَف، اعتبر فلاسفة الإغريق وجود الصورة الآدمية ضرورة منطقية لمعرفة حدود الاختبار ومقاييس الجنة والنار.

كما تشير التعاليم إلى تواجد كينونات غلب عليها عنصر المشاهدة للصورة منذ البدء وأرشدت الإنسانية منذ طفولتها لهكذا معرفة وراقبت تطورها. تلك الكينونات هم من عرفهم الدور الآدمي بالأنبياء والحكماء الذين جاءوا في كل عصر وزمان كالمصابيح في الظلمة.

هم من حملوا أعباء القضية الإنسانية على عاتقهم، وعرفوا ببصيرتهم الفريدة مسار النفس الإنسانية في زمن مبكر، زمن المراهقة من عمر البشرية (في دور أتلانتس وعمورة)، حيث بدأ استغلال القدرات الروحية لغايات غريزية بغيضة تحولت لاحقاً إلى نوايا أكثر شراً وانحطاطاً.

وهذا ما حصل حينما أساء سكان أتلانتس وعمورة استعمال الطاقات، سوء الاستعمال الذي أدّى إلى دمار وانهاء تلك العوالم واضمحلالها.

وغرق أتلانتس التام الذي محى آثارها عن الخارطة الجغرافية وما يُعرَف بدور الطم (أي الاختفاء الكلّي) هم ممثول النسيان التام الذي أصاب النفس الآدمية ليكون هذا الدور المسرحية الصادقة والمعبرة عن قصة الإنسانية منذ قديم الأدوار، ولبلوغ العوالم نهاية النهاية في الإرتفاع والانسفال ولتتحقق للأعين الشحمية حقيقة عدل النظام الإلهي ولتدرك الأنفس الهابطة بأي ذنب قتلت تمام الإدراك. فالنجاة النجاة لمن يلعب دور الشاهد في المسرحية، لأنه يرى "الأحداث والشخصيات" من حيث لا تراه، والمهواة المهواة لمن تأخذه الأدوار فيستيقظ ليجد نفسه في الزمان الخاطئ والمكان الخاطئ يفعل الشيء الخاطئ.

إن دورة بلوغ المكامن النفسية وانتقالها من القوة إلى الفعل حدثت كتعاقب مراحل الإستيقاظ من عوالم الحلم. والحلم عند حكماء كأفلاطون وأفلوطين لم يحظ بالكثير من الأهمية إذ اعتبر كقصة تتمحور حول الإنفعالات التي تنفعل بها النفس الجاهلة خلال أحداث اليقظة. وهذه القصة تحكم أحداثها رغبات النفس وبالتالي تتنافى طبيعتها مع طبيعة اليقظة (ممثول الوجود الأزلي عند أفلاطون) وتخضع لبداية ونهاية كما خضعت قصة إبليس وهبوطه من الجنة وتمام نظرته وانحصار قصته تحت حصر الزمن والنبوءة.

لذا، فإن أحلام الإنسان الفردية (وفقاً لأفلاطون) ما هي إلا أحلام داخل أحلام.

هل أخذت يوماً بأحداث مسرحية لدرجة أنك نسيت فيها هويتك كمشاهد؟

هل أدركتَ يوماً وأنت في كابوس أنك تحلم ولديك القدرة على الاستيقاظ قبيل لحظة الخطر؟

إن فن الاستيقاظ من ظلمة حلم الأحلام الذي تستغرق في أحداثه البشرية اليوم إنما هو قدرة أبناء النور، لأنهم عرفوا واهتموا بفن "القيامة" منذ فجر التاريخ.

عندما يدرك الإنسان أنه في حلم قبل أن يستيقظ، يصبح واثقاً من خطواته في الحلم ويمتلك معرفة ما هو آت، لامتلاكه اليقين بأنه في حلم ولديه قوة التحكم فيه بالاستيقاظ منه.

"لا ينفع نفساً إيمانها إن لم تكن قد آمنت من قبل".

وفقاً لمنظور الحكمة الأصيل، لم تعد هذه الأيام زمن تنظير ولا زمن عمل، بل زمن تحقيق ما تقدّم من عمل. إذ تشير حقائق الحكمة كلها بأن هذا الزمن يختلف عن الأزمان والعصور السابقة التي تعرّض فيها أبناء النور للتعذيب والحرق في محن ومحاكمات، فهذا العصر هو الزمن الذي يحصد فيه هؤلاء ثمار تخلصهم من الشك. فقد انتهى الكابوس منذ لحظة الشهود وانتفى العدم بالوجود.

عظيم هو ذلك الكسب الحقيقي الذي أحرزه المؤمن في فؤاده.

حقاً، إن هذا العصر لأظلم العصور، لأنه عصر الشك في ما قد حُسِم. ومع أن أبناء النور قد خرجوا من كهف الأسطورة ونظروا إلى المثال الأعظم من خلال شمس أفلاطون، لا تزال أعينهم متأثرة بالظلمة،  ظلمة الشك، بأنهم لا يستحقون السعادة التي منحت لهم وبذلك استحقوا تعاسة هكذا شك طوال أصباح الليالي العشر التي سبقت بزوغ الفجر.

وتتمثل هنيهة الشك هذه في الزمان والمكان بارتباطهم آخر ارتباط مع رموز الظلمة والظالمين من أبناء الظلمة الذين يمثلون صورة الشك على الأرض. وهم آخر رهان الأبالسة والشياطين بعد أن تحققت بأبناء النور دورة اليقين.

وتتجانس أعمال هؤلاء في هذا العصر الأخير مع أعمالهم السابقة ككتبة وفرّيسيين: قتل الحقيقة عبر تجريد أبناء النور من حقهم في معرفة هويتهم.

يخبرنا المعلم الكبير أفلاطون عن العمى الذي قد يغشى أولئك الذين لم تتعود أعينهم على النور.

ثمة دلالات عدة على ما ينبغي أن تكون حالة العارف الحقيقي بعد أن شاهد الحقيقة وتعهد تسليم أمره لها، وثمة دلالات عدة على ما يطمع أبناء الظلمة لسلبه من هذا العارف اليوم: السعادة والسعادة الأبدية.

مبارك من يتجاوز الشك في استحقاقه للسعادة لأنه بذلك يتحرر من تأثير أظلم الظالمين من أبناء الظلمة.

إن سر خلق الكون، وسر عوالمه، يقع في سر خلق الإنسان الفرد وهذه هي مبادئ الحكمة منذ الأزل. ولهذا اعتبر فيثاغوراس الكون إنساناً كبيراً.

وذوات أبناء النور هي قلب هذا الإنسان وفيها تنطوي الخريطة التي تكشف عن هذا السر. فعليهم اتباع مسارها استعداداً للإتحاد بالشمس الأزلية.

داخل نفوسهم الكريمة قد رُسِمَت الطريق إلى نقطة البيكار التي انطلقت منها الإنسانية في مسارها عبر عوالم وحيوات وتجسُّدات لا تحصى. فلتتوحد خطواتهم كي تقترب من اللحظة التي يتحد فيها الزمان والمكان والإمكان.

يعتبر أفلوطين أن في المراحل الأخيرة من اقتراب النفس من محور اتحادها مع النور المطلق تنطق ذكريات ورواسب كافة الأزمان الماضية وحصرها وتنقطع الروابط والأنساب الدنيوية ويحل محلّها اتّحاد البصائر فتعود النفوس إلى أصلها لتنجذب لبعضها البعض وفقاً لأقدم عنصر انجذاب وهو عنصر النور أو الظلمة بعد أن يخلع الدجّال قناعه وتنكشف كافة الأقنعة وتنهزم في أوجه أتباعه ارتسامات القوّة التي حصر من خلالها الأنفس مع بعضها البعض خلافاً لطبيعتها.

كل نفس مسؤولة عما اكتسبت أو فرّطت من الطاعات. "اللهم نفسي"

لهذا السبب ينبغي على أبناء النور اليوم ألا يتهموا بالماضي أو المستقبل فهم بغنى عن هذا الإهتمام بالوجود.

فقد مرّت على أبناء النور أزمان سابقة في أيام أتلانتس مثلاً، حيث تؤكد النصوص الهرمسية أنهم اعتمدوا طرقاً عدة وطقوساً قبيل وفاتهم في جيل معيّن لكي يضمنوا تذكرهم في أجيالهم اللاحقة لبعضهم البعض وللوعود التي أقاموها على أنفسهم خوفاً من تقلّبات النسيان وفشلهم في الاتحاد مع غاية الغايات أثناء ظلمة الظلمات التي أشارت إليها كافة الرسائل والديانات.

هذا كان قبل أن وحدتهم في الزمان والمكان حقيقة الحقائق، وقبل اختبارهم أولئك الذين تلبّسوا بأثواب الحملان وهم في الحقيقة ذئاب خاطفة في السر والإعلان.

لم يعد يتحكّم بأبناء النور الخوف والتردد، إذ أنه كلما اقترب الشيء إلى أصله كلما أسرع إليه بحكم عامل الجاذبية الذي يحكم الكون بأسره. فخطواتهم تنجذب تلقائياً للنور معتمدة أقدم الخرائط. فلا حاجة لهم بعد في اعتماد التكليف أو بذل مجهود مصطنع لصنع الخير أو لتذكر حيواتهم السابقة، بل هم أداة التذكر المحيي وأبناء الظلمة أداة النسيان المميت.

وهذا هو زمن جمع المحصول وعودة الفروع إلى الأصول، فهنيئاً لأبناء النور السعداء، وتباً لأبناء الظلمة الذين يتلّذون بقول كلمة "آه" ويجهلون معنى استيقاظ الآهات على مشارف مقابلة الذات.

عودة إلى الصفحة الرئيسية