
بسم الله الرحمن الرحيم
مدرسة فوثـاغورس
الفيلسوف العالمي العظيم
نقلها إلى العربية شوقي داود تمراز – ينطا
سلسلة الحقية الخالدة
الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الثانية – 2002
دار الضحى للنشر
Designed L'OGOS MEDIA
Tel: 01- 787103 Fax: 01-866240
الإهــداء
إلى كل الأحباء الأصفياء أخوة الأديان وأمة الأخوان، أهل الذوق في كل مكان، أصحاب القلوب النقية، والعقول النورانية، والنفوس المتشوقة دائماً للرشف من معين الحكمة التوحيدية الفيثاغورية، لتلتقي بقواها الخفية وترتوي من عين حقيقة الينابيع الإلهية، والحكمة والمعارف والعلوم القدسية.
إليكم أيها الأحباء مواسم العطاء في سطور هذا السفر الفيثاغوري الجامع لكل ما يخطر على بال والمحتوى الجواب على كل سؤال.
إليكم المرآة العقلية التي تريكم بصفائها جوهر صورة ذاتكم الحقيقية.
إليكم عين السلسبيل من شراب الوصول لذوي الألباب والعقول.
إليكم حبة العقد الفريد من سلسلة الحقيقة الفيثاغورية والحكمة الخالدة.
فأبذل أيها الطالب، الموحد العارف، جهدك مهراً لعروسها والثمن زهيد.
أنشد شاعر فوثاغوري:
"اقتربوا، يا أيها الفلاسفة القلائل، إن طريقة الحياة الفوثاغورية تخصكم:
لكن أنتم، يا أيها الجمهور العادي الدنيوي، فبعيدون عنها جداً لأنكم لا تسمعون صوت الحكمة، عقولكم واهنة الروابط، إنما يقدر على إصلاحها الحكام الأخيار والنظم السليمة، والقوانين الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمـة
بعد أن أكملنا ترجمة المحاورات الثماني والعشرين للفيلسوف الخالد، أفلاطون الحكيم، وألحقناها بمجلدٍ سابع: أفلاطون والديانات السماوية، ها نحن نتمم المجلد الثامن من العمل الفلسفي الذي نصبو إلى استمراره، ويتضمن هذا المجلد، حكم الفيلسوف العالمي الأعظم، فوثاغورس، معلم أفلاطون الأكبر.
إننا نأمل من عملنا هذا شمولية وتعميق العلم والمعرفة.
إن النور عندما ينبلج لا يمكن احتواؤه وحده بمكان، لأنه هو أصل الزمان، وتقاس قيمة ولادة الكائن الإنساني بمقدار ما أعطاه للبشرية من علم ومعرفة وخير وحق وجمال، فأنار بهذه المبادئ الأساسية طريق المستبصرين، ونعمت بها قلوب العارفين، وكان واضع أسس التقدم العلمي، الفلسفي، اللاهوتي، الأخلاقي، والثقافي في كل حقل.
عندما يكتب إنسان عن العظماء يجب أن يتوخى الصدق، ويقرر الحق، ويبحث عن المصادر الجديرة بالثقة ويأخذها كمعتمد. إن الفلاسفة الذين عاصروا فوثاغورس، آمنوا بمبادئه، وعلموا أفكاره. لم يكونوا قلة، ولقد أفردنا فصلاً خاصاً بهم في هذا الكتاب، ذاكرين أسماءهم. لقد أمانا بهم إيامبليخوس "إيامبلي" كاتب سيرة حياة فوثاغورس، أمدنا بمعلومات صادقة في هذا المجال، وكذلك فعل فيلولوس، أرخيتاس، بورفيري، أفلاطون، الأرجح عقلاً، الأكثر فضلاً، والأغزر علماً، أرسطوا، وغيرهم.
إن فوثاغورس هو واحد من أولئك الرجال الذين طبعوا في الأذهان أفكارهم، وأثروا في النفس تأثيراً قوياً لأزمان متعاقبة، وهم الذين من العسير جداً أن نتبين سماتهم المميزة كاملة بسبب الغموض الأسطوري الذي يحجبهم.
وكما يبدو، فإن فوثاغورس هو المفعم بالحيوية، ليس بمجرد تعطشه الفلسفي للمعرفة فقط، بل بحماسه للإصلاح الأخلاقي الديني أيضاً لهذا السبب فإنه أصبح بعد قرون من وفاته البطل المثالي أو القديس لأولئك الذين وحدوا الزهد الديني ذا المعنى الروحي المدرك بالعقل، وحدوه بالفلسفة ونحن نعتمد على تعاليم الفيلسوف العظيم، أفلاطون، لمعرفة ذلك. هناك كنابات صيغت باسم فوثاغورس، وجمع تاريخ حياته، حاملاً سمات الإنسان الفيلسوف الحكيم، ومحيطاً إياه بهالةٍ نورانية لنبي ولصانع معجزات لقد وصفه الأفلاطونيون الجدد، كاتبو سيرة حياته، بأنه ليس محبوب أبوللو فقط، بل إنه ابنه، الذي منه تلقى التعاليم بواسطة الكهنة في معبد دلفي.
إننا نقرأ في ما كتب عن فوثاغورس أنه كان يمتلك فخذاً ذهبياً، عرضه لليونانيين المجتمعين في الألعاب الأولومبية، وشوهد عند مناسبة أخرى في مدينتي كروتونا وميتابونتام يخطب في وقت واحد. قيل عنه أنه دجن الحيوانات المفترسة بكلمة، وأنه تنبأ بالأحداث المستقبلية قبل وقوعها، كما أنه تذكر كل أجياله السابقة، وكان لشفافية روحه يسمع نغمات حركات الأفلاك، وهو الأول الذي أدخل المقاييس والأوزان من بين اليونانيين، وهو الذي اكتشف الأجرام الصماء. وهذا الاكتشاف هو أعظم اكتشافات العصور الغابرة. إن فوثاغورس هو المستحق التكريم لتقديمه طريقة فصل بواسطتها علم الهندسة عن حاجات الحياة اليومية، وعاملها كعلم حر مستقل بذاته، وأعطى لها تعريفات وقدم أسلوباً برهانياً، وهذه التعريفات لا تزال تستخدم حتى الآن. إن علم النجوم الفوثاغوري كان الإسهام الأكثر بروزاً في الفكر العلمي، وتكمن أهميته في حقيقة أن الفوثاغوريين كانوا الأوائل الذين أدركوا أن الأرض هي كرة كافية نفسها بنفسها في الفضاء الخالي، دائرة مع الكواكب الأخرى حول الجرم السماوي المركزي، أي النار. وفوثاغورس هو الذي علم أن كل الأشياء تكون عدداً، وآمن بخلود الروح والتقمص.
كتب إيامبلي عن حياة فوثاغورس ما نصه: "بما أنه شيء مألوف لكل الرجال ذوي الفهم السليم، أن يعرجوا على الألوهية عند دخولهم في أي بحث فلسفي، فإنه بالتأكيد لشيء مناسب أكثر، أن يفعلوا هذا في التأمل المليء بتلك الفلسفة، التي تلقت تسميتها من فوثاغورس الإلهي بعدل. وبسبب أنها نشأت من الآلهة، لذلك لا يستطاع إدراكها بدون مساعدتهم الإلهامية. ويمكننا أن نضيف لذلك أيضاً قائلين:
إن جمالها وأهميتها تفوق القوى الإنسانية كلها ببعد كبير، لهذا فإنه لمن المستحيل أن نلقي عليها نظرة شاملة عاجلة. لكن أي إنسان يقدر أن يكتسب منها تدريجياً، عندما يقترب إليها بهدوء، كون الآلهة قادته".
لذلك، وبناء على كل هذه الاعتبارات، وبما أننا توسلنا إلى الآلهة، قادتنا، فقد حولنا أنفسنا وبحثنا لهم، فنحن سنذعن لعمل أي شيء يمكن أن يأمرونا به كي نفعله. ومهما يكن، فإننا لن نقدم أي دفاع عن هذه الفرقة كونها أهملت زمناً طويلاً، ولا بسبب أنها حجبت بمريدين أجانب، وبرموز سرية محددة، ولا بسبب أنها جعلت مبهمة بكتابات باطلة ومزورة، كلا ولا بسبب الصعوبات الأخرى المشابهة التي أعترضت سبيلها. إن إرادة الله تكفينا، في ما يتعلق بالتوقيت وتذليل الصعوبات. لكن بعد أن نوحد أنفسنا مع الآلهة، فإننا سنوحدها في ما يتعلق بقائد أو بأمير، وبأب لهذه الفلسفة الإلهية، يجب علينا أن نبحث في أصله وبلاده قليلاً في تحقيقنا هذا.
لذلك، قيل: إن إنكايوس، الذي سكن في جزيرة ساموس، سيفالانيا، أنجبه جوبيتر، وسواء استمد هذه الشهرة من نسب شريف بواسطة الفضيلة، أو بواسطة عظمة محددة للروح، فإنه فاق بقية السيفالونيين في الحكمة والشهرة، على كل حال، وبناء عليه، فإن هذا الأنكايوس أمر بوسيط الوحي البيثي كي يبني مستعمرة مؤلفة من الأركاديين والتساليين، وأن يأخذ معه بجانب هذا بعض سكان أثينا، أبيدوروس، وخالقيس.
وواضعاً نفسه في مقدمتهم، فإنه سيوجد جزيرة مأهولة، جزيرة تجب أن تدعى "ميلام فيلوس" من فضيلة التربة وطهارة الأرض، وينبغي أن تسمى المدينة ساموس. وبناء عليه، فإن وسيط الوحي الذي قدم له الأمر، كان الأمر كالتالي:
"إني آمرك، يا أنكايوس كي تستعمر الجزيرة البحرية ساموس، بدلاً من سايم، وأن تسميها فيلاس".
لهذا، قيل إن منيسارخوس وبيثياس، أبوي فوثاغورس، تحدراً من عائلة واتحاد هذا الأنكايوس، الذي أوجد المستعمرة. على كل حال، ونتيجة لنبل المحتد والولادة، أنشد شاعر ساموسي محدد قائلاً:
بيثايس، أيتها القبيلة الساميان الأعدل،
إحملي من تقبلات إله العصر
فوثاغورس الشهير، صديق الله العلي".
وهكذا، فإنه شيء يستحق الاهتمام، أن نروي كيف أن هذا التقرير أصبح سائداً. بعدئذ، توقع وسيط الوحي البيثي لمنيسارخوس هذا "الذي أتى إلى معبد دلفي لأغراض التجارة، وبصحبته زوجته التي لم يكن يبدو عليها آثار الحمل، والذي سئل عن الله في ما يختص بحادث رحلته إلى سوريا"، توقع، أن تكون رحلته مربحة وأكثر راحة طبقاً لرغباته. ولكن بما أنه تبين الآن أن زوجته حامل، وأنها ستنجب ابناً يفوق كل الذين عاشوا في الجمال والحكمة، وسيكون ذا نفع أعظم في كل شيء يخص حياة الإنسان. لكن عندما تأمل منيسارخوس نفسه ملياً، وأن الله، أخبره بواسطة وسيط الوحي، أنه سينال إهداء إلهياً حقاً، لامعاً ومتفوقاً بامتياز، فإنه سمى زوجته بيثايس في الحال، بدل اسم بارثينيس، الذي كان لقبها السابق، وسمى طفله الرضيع، الذي ولد في مدينة صيدا الفينيقية في ما بعد، سماه فوثاغورس، دالاً بهذه الكنية على أن ذرية كهذه تنبأ بها أبوللو البيثي. لا أحد يمكنه أن يشك حقاً في أن روح فوثاغورس أرسلت إلى الجنس البشري من أمبراطورية أبوللو، إما كونه ملازماً لله، أو أنه معه في طريقة ما أكثر تناسباً.
لكن بعد عودة أبيه منيسارخوس من سوريا إلى جزيرة ساموس، بثروة كبيرة، جمعها من رحلاته البحرية المزدهرة، بنى معبد أبوللو، ونقش عليه العبارة "بيثيوس". واعتنى أن يتزود ابه بالحكمة، وأن يترافق مع المريدين الأفضل والمتنوعين. ترافق زمناً مع كريوفيلوس، وزمناً آخر مع فاريسايدس السوري، وبعدها مع كل أولئك الرجال الذين أشرفوا على الاهتمامات الدينية السرية المقدسة، والذين أوصى بهم كي يصحبهم فوثاغورس بشكل جدي، وذلك كي يستطيع قدر الإمكان أن يتثقف في الشؤون الإلهية. ومهما يكن، فإن فوثاغورس تعلم في أسلوب كهذا كي يكون الأكثر جمالاً وشبهاً بالله، من كل أولئك الذين قد تم الاحتفاء بهم في حقب التاريخ بشكل سعيد. عند وفاة أبيه، وبرغم أنه كان لا يزال فتياً، فإن سيماءه كانت الأكثر مهابة، وكانت عاداته الأكثر اعتدالاً في المأكل وفي الفضائل الإنسانية الأخرى، إلى حد أن وقره وكرمه الرجال الكبار سناً، وحول انتباه كل الذين رأوه وسمعوه يتكلم إليهم، وبدا أنه شخص جدير بالإعجاب. ومن ثم فإن العديد ممن عرفه أكدوا بعقلانية أنه ابن الله([1]).
كان فوثاغورس هادئاً ورزيناً في كل أعماله وأقواله، لم يستسلم للغضب في أي وقت، أو للهزل، أو للمنافسة، أو للجدال، أو للقلق، أو للسلوك المتهور، لقد سكن في جزيرة ساموس مثل نصف إله خير. من هنا، وبينما كان لا يزال فتى يافعاً، فإن شهرته وصلت أخبارها إلى طالياس الملطي، وإلى بياس البريني، وهما رجلان متألقان في حكمتيهما، وكذلك امتدت هذه الشهرة إلى المدن الأخرى المجاورة. لكن بعد أن وصل إلى سن الثامنة عشرة، في الفترة التي ظهر بها الطاغية بوليكرايتس، رأى فوثاغورس، أنه يمكنه أن يجابه بعض العوائق في طريق دراسته، التي استحوذت على فكره كله. لذلك غادر ليلاً مع صديقه كريوفيلوس سراً إلى فيريسايوس ليرى أناكساميندار الفيلسوف الطبيعي، وطاليس الملطي. ترافق مع هذين الفيلسوفين وأحباه حباً كبيراً، وأعجبا بمواهبه الطبيعية، وجعلاه شريكاً لهما في تعاليمهما. لكن طاليس نصحه أن يذهب إلى مصر، وأن يترافق مع كهنتها في ممفيس وديسبوليط. وتكهن طاليس بأن – فوثاغورس سيصبح الأعقل والأفضل ألوهية من الرجال جميعاً إذا عاشر الكهنة هؤلاء.
قبل فوثاغورس نصيحة صديقه طاليس وغادر إلى صيدا، كون ذلك البلد بلده بالولادة، وأدرك أن بإمكانه أن يبحر إلى مصر. تحدث فوثاغورس إلى الكهنة الفينيقيين، واطلع على كل الأسرار الدينية المقدسة في جبيل وصور، وعلى العمليات السرية الإلهية التي كانت تجري في أنحاء عديدة من سوريا، وذلك رغبة منه وحباً في التأمل الروحي المليء، ولكي لا يفوته شيء من المراقبة التي تستحق تعلم الأسرار الإلهية المقدسة، تلك التعاليم الفينيقية المستمدة من الكهنة المصريين. تذكر فوثاغورس هنا نصيحة صديقه طاليس وعزم على الإبحار إلى مصر..
تعرف على بحارة مصريين كانوا يقومون بزيارته عندما كان يسكن على جبل الكرمل المقدس في الساحل الفينيقي، حيث كان لفوثاغورس هناك معبد منفصل عن الناس، قطنه قسماً كبيراً من حياته. وهكذا وصل إلى مصر، وتجول في معابدها باحثاً ومحققاً، وأحبه الكهنة الذين تحادث معهم، وتعلم منهم الكثير من الحكمة.
صرف فوثاغورس ما يقارب اثنتين وعشرين سنة في مصر، كان أكثرها في معابد أديتا، وعرف أسرار علم النجوم والهندسة، واطلع على كل الأسرار الإلهية، إلى أن أخذه جنود قمبيز أسيراً إلى مدينة بابل، وهنا في بابل ترافق مع كهنتها من جديد، وتعلم منهم عبادة الآلهة بشكل كامل. ومن خلال مساعدتهم له، وصل إلى قمة المعرفة في علم الحساب، الموسيقى، والمعارف الأخرى.
بقي فوثاغورس في مدينة بابل اثنتي عشرة سنة، عاد بعدها إلى جزيرة ساموس، وله من العمر ست وخمسون سنة.
بعد عودته إلى جزيرة ساموس أدرك الناس بأنه أصبح أكثر نضجاً وحكمة مما كان، وأنه حاز نعمة إلهية أكثر رسوخاً. لهذا السبب، دعاه أهلها كي يمدهم بمعارفه لينتفه بها السكان جميعاً، وهكذا فعل. ومن ساموس ذهب فوثاغورس إلى جزيرتي دالوس، وكريت، وإلى مدينة إسبارطة، قصد تعلم قوانينها، عاد بعدها إلى جزيرة ساموس، ومنها أبحر إلى إيطاليا، مدركاً أن هذا المكان يجوز أن يكون بلده المناسب، الذي يمكن أن يميل فيه الرجال إلى العلم بشكل وافر. وهكذا كانت رحلته ناجحة جداً عند وصوله إلى مدينة كروتونا، المدينة الإيطالية الأنبل، وكان له رفاق كثر هناك، كانوا متشوقين ليعقدوا محادثة معه في التعاليم الفلسفية، وفي خيرات الحياة بشكل عام..
تلقى أهالي كروتون وجنوبي إيطاليا القوانين من فوثاغورس، وكذلك المدارك الإلهية، وسكنوا معاً في وحدة هي الأمتن والأنبل، وفي أجواء أخوة حقة، كانوا يشتركون في كل ما يملكون، علمهم فوثاغورس معنى الحرية، وبمساعدته بقيت مدن كروتونا، سيباريس، قطنا، ريجيوم، هيمايرا، أغريغانتوم، تورميناس، وبعض المدن الأخرى، بقيت مستقلة وحرة، وسن لها قوانين عادلة".
أ- علم النجوم الفوثاغوري:
مع أن أفلاطون لم يذكر فوثاغورس سوى مرة واحدة في الكتاب السابع من جمهوريته، باحثاً في الطريقة التعليمية التي اتبعها، لكنه في أكثر محاوراته اتخذ المبادئ الفوثاغورية كقاعدة لصياغة أفكاره. لنستمع إلى ما يقوله سقراط عن علم النجوم الفوثاغوري المصدر: "لا ينبغي أن نقصر دراسة علم النجوم وحركاتها المرئية فقط، بل يجب استخدامها كوسائل للوصول ما وراءها إلى المبادئ الحسابية وقوانين الحركة التي تمثلها، لكنها بما أنها مرئية وهي أهداف مادية، لا يمكنها أن تنتظم في دقة كاملة ينبغي أن يفهم هدف الفيلسوف بأن: "الحقائق الحقة، تعني أن الحركات والأجسام المتحركة التي تكون سرعتها النسبية لتوجد في عبارات الأعداد النقية والأشكال التامة، المدركة بالعقل والفكر وليس بالعين المجردة".
ينتقل سقراط من علم النجوم إلى المتناغمات، ويعتبر هذا الانتقال انفصالاً طبيعياً فيقول: "أعتقد أنه يمكننا القول، وهو بما أن عيوننا خلقت لعلم النجوم تماماً، هكذا فإن آذاننا خلقت للتناغم، وأن علم النجوم والتناغم، كما يقول الفوثاغوريون، هما علمان أخوان، ونحن يجب أن نتفق معهم في ما يقولون".
ب- طريقة التعليم الفوثاغورية:
أورد اليسو كرالتيس في كتابته عن الفوثاغوريين: "إن الصمت والسرية كانتا صفتان دائمتان في سلوك الفوثاغوريين". ونطالع في ما كتبه أيامبلي، كاتب حياة فوثاغورس، ما نصه: "إن فوثاغورس أنشأ درجات مختلفة بين مريديه، طبقاً لمواهبهم الطبيعية، وهكذا فإن الأسرار الأعلى لحكمته، أفصح عنها لأولئك القادرين على تلقيها فقط. حتى أن طرائق الحياة، لم تكن الطرائق عينها لجميع مريديه، لقد أمر بعضهم بجعل ملكية كل ما يقتنون بشكل مشترك، غير أنه كان هناك حلقة خارجية من أولئك الذين أبقوا على ممتلكاتهم الخاصة. وكان هناك شكلان من أشكال الفلسفة الفوثاغورية، تتطابق مع الطبقتين اللتين شكلتا من الذين يشتركون فيهما. تشكلت الطبقة الأولى من أولئك الذين تضلعوا وكانوا الأكثر تدريباً في أجزاء حكمته، وتشكلت الطبقة الثانية من الذين سمعوا تلخيص الأشياء المدركة بالحواس، الموجودة في كتاباته، لكن بدون شرح كامل لها".
ج- علم العدد والموسيقى الفوثاغوري:
يطلعنا أرسطو في كتابه الآثار العلوية عن الفوثاغوريين، ما يلي: "وكما يقول الفوثاغوريون: إن العالم كله والأشياء كلها الموجودة فيه تختصر في العدد الثالث، لأن النهاية والوسط والبداية تعطي العدد للكل، ورقمها ثلاثياً. ومن هنا، أخذنا نحن هذا العدد من الطبيعة، كما كان واحداً من قوانينها، واستخدمناه حتى في عبادة الآلهة". وكذلك أشار أرسطو في كتابه الهام ما وراء الطبيعة إلى الفوثاغوريين فقال: "يقول الفوثاغوريون: إن العالم نشأ من الأعداد وكانوا يحترمون العدد عشرة، ويقولون إن الأشياء عينها تكون أعداداً، وبسبب أنهم رأوا بأن العديد من خصائص الأعداد تخص الأجسام المحسوسة، افترضوا أن الأشياء الموجودة تكون أعداداً، وأن عناصر الأعداد هي عناصر الأشياء. ويقولون، بأن الأشياء الموجودة تدين بوجودها إلى تقليد الأعداد، وبما أن طبيعة كل شيء آخر يبدو أنه مشابه للأعداد، وبأن الأعداد تكون في كل مكان من العالم الطبيعي بشكل رئيسي، افترض الفوثاغوريون أن عناصر الأعداد هي العناصر لكل ما هو موجود، وأن العالم كله يكون تناسباً وعدداً".. ويواصل أرسطو القول في كتابه ما بعد الطبيعة: "إن الفوثاغوريين هم الذين خصصوا أنفسهم عملياً لعلم الحساب، قبل الفيلسوفين اليونانيين الذريين ليوسيبوس، وديموقريطس، وحققوا تقدماً مهماً في هذا الموضوع، وبسبب استغراقهم فيه، افترضوا أن مبادئ علم الحساب هي مبادئ كل الأشياء. لقد ميز الفوثاغوريون نوعاً مفرداً للعدد، أي العدد الحسابي، لكن ليس له وجود منفصل عن الأشياء الحسية، كذلك فعل ليوسيبوس، "وهذا الرأي كان رأي الإفلاطونيين بشكل عام". ويثبت الفوثاغوريون مبدأين اثنين بشكل مماثل، لكنهم يضيفون شيئاً مميزاً لهما، أعني أن المحدد واللامحدود لا ينسبان إلى العناصر الطبيعية الأخرى مثل النار أو الأرض أو شيء ما مشابهاً. وهم يؤكدون بالأحرى أن اللامحدود عينه والوحدة عينها هما المادة لذلك يعلنون، ولهذا السبب هم يقولون إن العدد يكون مادة الأشياء كلها".
ويورد أحد مؤرخي الفلسفة اليونانية في كتاباته ما يلي: "وبعد فإن الوصف العلمي لكل شيء في العالم العلمي يأخذ شكل المعادلات العددية، إن ما ندركه كنوعيات علمية – طبيعية، مثل اللون الحر، الخفة، والصوت – كلها تختفي وتحل محلها الأعداد، ممثلة أطوال الذبذبة أو الأحجام. لهذا السبب فإن المؤرخين العلميين أكدوا أن اكتشاف فوثاغورس لعلم العدد، غير مجرى التاريخ كله".. وأكد فوثاغورس عن المبادئ أن الرقم الآحادي كان الله الخير. وهذا التعليم سيجعل التعديل الأخير كله سهلاً للعقيدة الفذة المتعالية، التي تأخذ الاتجاه في أن الله آحادي، ومن هذه العقيدة اشتقت العقائد كلها. إنها العقيدة التي تجد ذروتها في المبدأ الذي لا يوصف، في كتابات الشيخ الإسكندراني، أفلوطين. أما فكرة الأحدية التي تتضمن التمييز بين الواحد المثالي والوحدة التي تبدأ بسلسلة الأعداد، فإنها بكل تأكيد صفة أفلاطونية مميزة. والآن دعنا نسمع ما يقوله الآتيني في الكتاب الخامس من القوانين: "على المشرع أن يعتبر كل هذه الأشياء وأن يأمر المواطنين، بقدر ما يكون ذلك ممكناً، أن لا يزيغ بصرهم عن النظام العددي. فما من أداة مفردة من أدوات تعليم الشباب لها من القوة العظيمة مثلما لدراسة علم الحساب، وذلك ما يختص بالاقتصاد المحلي وبعلوم السياسة وفي الفنون. وفوق كل ذلك فإن علم الحساب يحرك بسرعة من يكون ميالاً إلى النوم وبليداً بالطبيعة، ويجعله سريع التعلم أيضاً، قوي الذاكرة، داهية، ومساعداً بفن إلهي، إنه يحقق تقدماً ما وراءه قواه الطبيعية تماماً".
وكتب هيراكلايدس في مقدمته عن الموسيقى ما يلي: "اكتشف فوثاغورس، كما يقول زينوكراليتس: إن الفواصل الموسيقية تدين بأصلها لضرورة العدد أيضاً، لأنها تكمن في مقارنة نوعية واحدة بأخرى. وحقق فوثاغورس في أية حالات تكون هذه الفواصل منسجمة وفي أيها لا تكون، وفي أصل التناغمات واللاتناغمات".
ونحن نعرف ما نقرأ بأنه لفوثاغورس يعود الفضل في إدراك أن الإطار الأصلي للموسيقى يعتمد على نسب رقمية محددة هي 1: 2 "الثماني"، 3: 2 "الخماسي"، 4: 3 "الرباعي".. إن هذه الأعداد تمثل نسبة الاهتزازات على الخيط، أو عمود الهواء في المزمار. ويؤكد نيقوماخوس: "أن أوزان العدد 12 و 6 أنتجت "الثماني"، وأوزان وحدات العدد 12 و 2 أو 9 و 6 أنتجت "الخماسي"، وأوزان وحدات العدد 9 و 8 أنتجت "الرباعي". ويورد كورن فورد الذي كتب عن الفوثاغورية ما يلي: "كفلسفة دينية فإن الفوثاغورية علقت أهمية مركزية على فكرة الوحدة وبشكل خاص وحدة الحياة كلها، التي تدل ضمناً على نظام التقمص".. أما نيقوماخوس من جيرازا، كاتب الفوثاغورية الجديدة، أورد في كتابه؛ مقدمة إلى علم الحساب ما يلي: "الوحدة في الفكر الفوثاغوري إذن، تحتل مكان وصفة النقطة، وهي ستكون بداية الفواصل الموسيقية وبداية الأعداد، لكنها لا تكون نفسها فاصلاً موسيقياً ولا عدداً، تماماً كما تكون انلقطة بداية الخط، أو بداية الفاصل الموسيقي، لكنها ليست نفسها خطاً أو فاصلاً موسيقياً. حقاً، إن النقطة عندما تضاف إلى نقطة، لا تخلق زيادة، لأنه عندما يضاف الشيء اللابعدي إلى شيء لا بعدي آخر فلن يمتلك بعداً بتلك الوسيلة، لهذا السبب فإن الوحدة هي لا بعدية وابتدائية، ويجد ويرى البعد بادئ ذي بدء في العدد 2، وفي العدد 3 بعدئذ، ثم في العدد 4، وفي الأرقام التالية بالتتابع، لأن "البعد" هو ذلك الذي يتصور بين حدين اثنين يسمى البعد الأول "خطاً" لأن "الخط" هو ذلك الذي يمتد في اتجاه واحد. ويسمى البعدان الإثنان "سطحاً" لأن السطح هو ذلك الذي يمتد في اتجاهين اثنين. وتسمى ثلاثة أبعاد "مجسماً" لأن المجسم هو ذلك الذي يمتد في اتجاهات ثلاث".
ويضيف نيقوماخوس قائلاً: "النقطة إذن، هي بداية البعد، لكنها ليست بعداً نفسها، وهي بداية الخط بشكل مماثل، لكنها ليست خطاً نفسها، الخط هو بداية السطح، لكنه ليس سطحاً نفسه، وهو بداية البعدين الاثنين، لكنه لا يمتد نفسه في اتجاهين اثنين، وبشكل طبيعي أيضاً، فإن السطح هو بداية الجسم، لكنه ليس جسماً نفسه، وهو بشكل مماثل بداية الثلاثة أبعاد، لكنه ليس ممتداً نفسه في اتجاهات ثلاثة. وهكذا فإن الشيء عينه يوجد في الأعداد، فالوحدة هي بداية كل عدد متقدم. وحده بوحدة في اتجاه واحد، والعدد الشبيه بالخطوط هو بداية العدد المستوي، الذي ينتشر مثل المستوي في أكثر من بعد واحد، والعدد المستوي هو بداية العدد المجسم، الذي يقتني عمقاً في البعد الثالث بجانب اقتنائه الأعماق الأصلية".
د- علم الكونيات الفوثاغوري:
يذكر أرسطو في كتابه السماء والعالم ما يلي: "في ما يتعلق بمركز الأرض توجد بعض الآراء المتباينة. إن أكثرية أولئك الذين يثبتون أن العالم كله متناه يقولون بأنه يقع في المركز، لكن هذا الرأي تنكر صحته المدرسة الفوثاغورية الإيطالية. يؤكد أتباع هذه المدرسة أن المركز تشغله النار، وأن الأرض نجم من النجوم، وتخلق الليل والنهار عند دورانها حول المركز. بالإضافة إلى ذلك هم يخترعون أرضاً أخرى، واقعة مقابل أرضنا، ويسمونها "الأرض المقابلة" أما بشأن السكون والحركة هناك نظريات مماثلة، لكن أصحابها يختلفون في التفكير. إن أولئك الذين ينكرون أن الأرض تقع في المركز يفترضون أنها تتحرك في دائرة حول المركز، وهذه الحركة تنطبق على الأرض المقابلة، كما شرحنا".
أما فيلولوس تلميذ فوثاغورس يقول في ذلك ما يلي: "إن النار في المركز، يسميها فوثاغورس موقد العالم، تأتي ثانياً الأرض المقابلة، وثالثاً الأرض المسكونة التي تبقى عكس الأرض المقابلة في دورانها، من أجل ذلك فإن ساكني هذه الأرض لا يرون الأرض الأخرى تلك".
وللإسكندر الأفروديسي، شارح أرسطو تقرير عما يعتقده الفوثاغوريون: "يقول الفوثاغوريون بأن حركات الأفلاك متناغمة، وتنتج موسيقى بحركاتها المتاغمة، ويقولون أيضاً: إن العالم كله مبني طبقاً لميزان موسيقي، وذلك ما يعنيه فوثاغورس بقوله: "إن العالم كله يكون عدداً". بسبب أنه مركز من أعداد ومنظم عد