بيروت في  12 /  06  /2006

جانب المجلس الدستوري الموقر

مراجعة إبطال وتعليق مفعول قانون

المستدعي: سماحة الشيخ بهجت غيث، شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز.

            وكيلاه المحاميان الدكتور يوسف سعد الله الخوري والأستاذ أسعد عطايا

            بموجب وكالة عامة (مستنــد رقم 1).

القانون المطعون فيه: القانون رقم  (بدون)  تاريخ 9 / 6 / 2006             القاضي بتنظيم شؤون طائفة الموحّدين الدروز.

تاريخ نشره: في محضر الجريدة الرسمية رقم 30 بتاريخ 12 / 6 / 2006

********

        بالإشارة الى الموضوع اعلاه، يبدي المستدعي ما يلي:

أولاً: في الوقـائع:

1 – كانت طائفة الموحّدين الدروز مرعية، وعلى مدى نصف قرن تقريباً، بقانونين صادرين بتاريخ 13/7/1962، يتعلّق أحدهما "بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية"، والثاني "بإنشاء المجلس المذهبي" للطائفة المذكورة.

2 – وبتاريخ 23/11/1999، صدر القانون رقم 127/99 تاريخ 25/10/1999 المتعلّق بإنشاء مجلس أمناء أوقاف الطائفة الدرزية، فطعن فيه سماحة المستدعي أمامكم وصدر عنكم بهذا الشأن القرار رقم 1/99 تاريخ 23/11/1999.

3 – وبتاريخ 26/5/2000، صدر القانون رقم 208/2000 القاضي "بتنظيم مشيخة عقل طائفة الموحّدين الدروز"، وكان هو أيضاً موضع طعنٍ من قبل سماحة المستدعي، فصدر بشأنه قراركم رقم 2/2000 تاريخ 8/6/2000.

4 – ويأتي اليوم القانون المطعون فيه القاضي "بتنظيم شؤون طائفة الموحّدين الدروز"، سواءً لجهة تنظيم مشيخة العقل وانتخاب شيخ عقل الطائفة، أم لجهة تنظيم الطائفة وأوقافها. هذا، مع العلم بأن القانون المذكور أُقِـرَّ من قبل المجلس النيابي الكريم في أعقاب إقراره من قبل لجنة الإدارة والعدل بسرعة مذهلة وفي غياب أي ممثِّل عن مشيخة العقل بشكل أصولي قانوني، وذلك خلافاً لما ذكرته اللجنة المذكورة في تقريرها بالموضوع. فالصحيح هو أن ممثل مشيخة العقل الأستاذ أسعد عطايا لم يُدع إلى الجلسات إلا بعد أن كانت اللجنة الكريمة قد أقرّت نصف القانون تقريباً، وهو بالتالي لم يحضر إلا نصف جلســة فقط، وانسحب نهائياً نظراً لعدم مراعاة الأصول في المناقشات واحتجاجاً على دور مشيخة العقل في هذا الخصوص.

5 – ومع الاشارة ايضاً إلى ان هذا القانون لم يُـحَـلْ على اللجان النيابية المشتركة اسوةً بسائر مشاريع او اقتراحات القوانين الهامة من هذا النوع.

6 – ومع الاشارة كذلك الى انه اعيد من قِبَل السيد رئيس الجمهورية الى المجلس النيابي الكريم لاعادة النظر به عملا باحكام المادة 57 من الدستور ووافق عليه المجلس مجددا ، ومن ثم تم نشره دون اصداره من قِبَل رئيس الجمهورية وفقا للاصول.

ثانياً: في القـانون:

بنـاءً عليه،

1 – في الصلاحيـة:

     في أن المجلس الدستوري، بهيئته الحالية بكاملها، هو صاحب الإختصاص لبتّ هذه المراجعة:

        ذلك أنه من الرجوع إلى المادة 19 من الدستور اللبناني تبيّن انها قضت بإنشاء مجلس دستوري "لمراقبة دستورية القوانين" وتركت للمشرّع مواضيع محدّدة حصراً بالأمور التالية: "وضع قواعد تنظيم المجلس وأصول العمل فيه وكيفية تشكيله ومراجعته" (الفقرة الثانية من هذه المادة).

        وتأسيساً على ذلك، بات المجلس الدستوري هو المرجع الوحيد الذي أولاه الدستور حق مراقبة دستورية القوانين دون غيره من المراجع.

        ومن المتفق عليه، علماً واجتهاداً، انه لا يجوز ولا يصحّ أن يناط بالسلطة التي أصدرت عملاً هي صاحبة الصلاحية لإصداره، أمر مراقبة صحته وسلامته عند الإقتضاء، إذ أن الرقابة لا تستقيم إلاّ إذا كانت خارجية (externe) ومجرّدة من أية مصلحة أو غاية ذاتية مباشرة أو غير مباشرة.

        ومن هذا المنطلق، "إن المشرّع الذي تجري إزاءه الرقابة الدستورية على أعماله لا يستطيع هو في ذاته أن يحمي نفسه من مغبّة قاعدة دستورية قد وُضعت بغية ردعه".

ـ الدكتور إدمون ربّاط، نظرية دستورية القوانين ودورها في لبنان، الحياة النيابية، المجلّد التاسع، كانون الأول 1993، ص 51.

        وهذا يعني، عطفاً على أحكام المادة 19 من الدستور وعلى تلك المنصوص عليها في القانون رقم 250/1993 أن المجلس الدستوري يشكّل بحدّ ذاته سلطة دستورية ذات اختصاص محدّد صراحة في الدستور ولا يجوز - عملاً بقاعدة التوازي في الشكل والاختصاص (Parallélisme des formes et des compétences) - المسّ به إلغاءً أو تعديلاً، إلاّ بنصّ دستوري، لا بقانون عادي كما هي عليه الحال في القانون الصادر بالتزامن مع هذا القانون والقاضي بتعطيل الهيئة الحاكمة في المجلس الدستوري عبر إنهاء ولاية الأعضاء قبل حلول أجلها القانوني بشكلٍ سليم، وعبر إلغاء انتخاب الأعضاء المعينين من قبل مجلس النواب، وقطع الطريق على مجلس الوزراء لتعيين عضوين آخرين. وهذا المنحى الخطير، لا يمكن وصفه قانوناً إلا بأنه شكل من أشكال ردّ الهيئة الحاكمة بكاملها (récusation) .

        وعلى حد ما جاء في المادة 129 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي بحسب ما استقرّ عليه الاجتهاد، تعتبر أحكامها مبادىء عامة يجوز للقاضي الإداري أو الدستوري اعتمادها في غياب نصّ صريح مخالف في قانون الذاتي الخاص، فإنه "إذا أدى طلب الردّ أو طلبات الردّ المتعدّدة إلى تعذّر تأليف هيئة المحكمة، طبقت أحكام نقل الدعوى"

            "…. Quand est présentée une demande tendant à la récusation de l'ensemble des membres d'une juridiction, elle sera interprétée comme une demande de renvoi pour cause de suspicion légitime".

C.E. 6 Oct. 1982. Laumosne, DA 1982 no. 383 etc.

R.Chapus Droit du contentieux adm. 2ème éd., 1990, no. 844, p. 570.

        وذلك، من أجل تطبيق أحكام نقل الدعوى يجب:

أ – أن تكون هناك محكمة اعلى من المحكمة المشكوك بحيادها (supérieure)، يقدّم طلب النقل إليها.

ب – وأن تكون هناك محكمة أخرى من درجة المحكمة المشكوك بحيادها، يتمّ نقل الدعوى إليها في حال قبول طلب النقل من قبل المحكمة العليا (أو الاعلى).

        فإذا لم يتوفر هذان الشرطان مجتمعين، فلا مجال عندئذٍ لتطبيق هذه الأصول.

            "… Il résulte de ce qui précède que la procédure de renvoi pour cause de suspicion légitime ne peut être mise en œuvre dans deux cas:

            - celui où la juridiction suspectée… n'a pas de juridiction supérieure;

            - celui où elle n'a pas d'équivalent, étant une juridiction unique en son genre…".

R.Chapus – op.cit., p. 569, no. 844.

        إذاً، إذ كانت هذه الهيئة الحاكمة وحيدة على النحو المبيّن أعلاه، فإنه يستحيل عندئذٍ اللجوء إلى أصول نقل الدعوى، وبنتيجة ذلك تلزم الهيئة المشكوك فيها، ذاتها، بالاستمرار في بتّ المراجعة والحكم فيها من أجل عدم الوقوع في حالة عدم إحقاق الحق.

        وبالعودة إلى حالتنا الحاضرة، وطالما أنّـه لا يوجد هيئة دستورية أخرى، لا أعلى ولا موازية لهيئة المجلس الدستوري الحالية التي يقضي القانون المطعون فيه بكفّ يدها وشلّها، فإنه يتعيّن عليها إلزاماً أن تتولّى هي، بالرغم من ذلك، بتّ هذه المراجعة وسائر الطعون المرفوعة إليها، وإلا فإنها تكون قد تمنّعت صراحة عن إحقاق الحق، الأمر الذي يرتّب عليها مسؤولية أكيدة من جراء ذلك. فلقد جاء:

        "وبما أن المجلس يرى أنه في حال عدم إعمال رقابته على دستورية القانون رقم 679/2005 المطعون فيه إنما يكون قد تمنّع عن إحقاق الحق، وهذا ما لم يرتضه على نفسه يوماً، فضلاً عن أن عدم النظر في المراجعة شيء وعدم إصدار القرار فيها شيء آخر.

          "وبما أنه سبق للمجلس الدستوري بهيئته الحاضرة وبعد انتهاء ولاية خمسة من اعضائه، وعملاً بما سبق، أن حفظ اختصاصه وأصدر القرار رقم 1/2003 تاريخ 12/11/2003... كما تلقى الطعون النيابية بالعمليات الانتخابية الاخيرة وباشر باتخاذ الإجراءات الآيلة إلى دراستها، مما يدل على أنه لم يشكّك يوماً في تكوينه أو ينكفىء عن ممارسة اختصاصه".

ـ المجلس الدستوري، القرار رقم 1/2005 المذكور أعلاه.

        فتكون هيئة المجلس الكريم بكامل أعضائها، سواء الذين انتهت منهم أو لم تنتهِ بعد، صالحة إذاً لبتّ هذه المراجعة.

2 – في الشكــل:

أ – في صفة المستدعي:

        يطلب المستدعي إبطال القانون المطعون فيه بصفته شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز وبصفته إذاً رئيسها الديني والروحي.

        وعلى هذا الأساس، تكون لسماحته الصفة القانونية الكاملة لتقديم هذه المراجعة، وذلك عملاً بأحكام المادة 19 من الدستور اللبناني، وبما استقرّ عليه اجتهاد المجلس الدستوري بهذا الشأن.

ـ قرار المجلس الدستوري رقم 1/99 تاريخ 23/11/1999.

ـ وقراره رقم 2/2000 تاريخ 8/6/2000.

ب – وطالما ان هذه المراجعة مقدّمة ضمن المهلة القانونية مستوفية سائر شروطها الشكلية، فإنها تكون مقبولة شكلاً.

3- في الاساس:

أ – جاء في المادة 56 من الدستور اللبناني ان رئيس الجمهورية يصدر القوانين التي تمت عليها الموافقة النهائية في خلال شهر بعد احالتها الى الحكومة ويطلب نشرها.

وجاء في المادة 57 منه ايضا وفي هذا المجال بالذات انه "لرئيس الجمهورية بعد اطلاع مجلس الوزراء حق طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لاصداره ولا يجوز ان يُرفَض طلبه. وعندما يستعمل الرئيس حقه هذه يصبح في حِلٍّ من اصدار القانون الى ان يوافق عليه المجلس بعد مناقشة اخرى في شأنه، واقراره بالغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا.

وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون او اعادته يعتبر القانون نافذا حكما ووجب نشره".

ب - جاء في المادة 9 من الدستور اللبناني أن "حرية الإعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".

        وهذا ما ركّزت عليه مقدمة الدستور بمناسبة تعديله بتاريخ 21/9/1990، حيث جاء في الفقــرة "ج" منها ما يوجب على الدولة احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وتأمين العدالة والمساواة...، وفي الفقـرة "ي" منها أن "لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

        ففي ضوء هذه الأحكام، يقتضي أيضاً قبول هذه المراجعة في الأساس والحكم بانعدام وجود القانون المطعون فيه ، والا بإبطاله نظراً لتعارضه معها، وذلـك:

1- فهو منعدم الوجود ماديا وقانونيا ، وذلك لأن الفقرة الاخيرة من المادة 57 من الدستور واضحة جدا وهي معطوفة حصرا وفقط على مهلة الشهر المحددة اساساً لاصدار القانون الذي لا يقرر رئيس الجمهورية اعادته الى مجلس النواب. والدليل على ذلك هو ان النص يقول ان القانون يعتبر نافذا حكما فقط في حال انقضاء المهلة ( اي مهلة الشهر) دون اصداره او اعادته. وفي هذا اشارة صريحة الى الفقرة الاولى من المادة 57 معطوفة على الفقرة الاولى من المادة 56 المار ذكرهما .

ومن هذا المنطلق ان عبارة "دون اصداره او اعادته" تعني بالمنطق القانوني السليم وبطريقة الحجة المعاكسة (a contrario) انه اذا قرر رئيس الجمهورية اعادة القانون ضمن مهلة الشهر هذه فإنه يخرج عندئذ من دائرة "النفاذ الحكمي" ولا يعود ممكنا نشره استنادا الى هذا النص الاستثنائي، بل يُرجَع الى القاعدة العامة التي تستوجب الزاما اصداره من قِبَل رئيس الجمهورية بالذات.

والدليل على ذلك هو ان المادة 57 وفي ما خص صلاحية الرئيس باعادة القانون تنص صراحة على انه "عندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حِِلٍّ من اصدار القانون الى ان يوافق عليه المجلس..." ، اي انه في هذه الحالة يصبح اصداره من قِبَل الرئيس واجبا محتوما ولا سبيل الى اصداره او نشره بطريقة اخرى.

ثم ان الفقرة الاخيرة من المادة 57 موضوع البحث تشكل استثناءا من القاعدة العامة ، ومن المتفق عليه علما واجتهادا ان الاستثناءات تؤخَذ حصرا ولا تحتمل القياسة او التأويل او التفسير خارج ما يعبر عنه النص صراحة

( "les termes memes de la loi")

"Il lui arrivera (le Conseil d'Etat) aussi de rappeler et appliquer "la regle generale selon laquelle les exceptions apportees a un principe doivent etre entendues restrictivement" (C.E., avis… 10 nov. 1999, Haut commissaire en Polynesie Fr., RFDA 2000, p.202

R. Chapus, Dt. Adm. General, 14 eme ed. 2000, p. 55, No. 113

والقول بغير ذلك يعني تحويل القاعدة العامة الى استثناء ، والاستثناء الى قاعدة عامة خلافا للاصول ، وبالتالي تعطيل احكام الدستور في هذا المجال، وهذا امر خطير جدا ومطلوب من المجلس الدستوري الكريم التصدي له بقوة.

ذلك انه وفق القاعدة الدستورية العامة، يشكل اصدار القانون من قِبَل رئيس الجمهورية حلقة جوهرية واساسية في تكوين القانون ، وبدون ذلك لا وجود لهذا القانون ولا مجال بالتالي لنشره ووضعه موضع التنفيذ.

" La promulgation a pour effet de mettre fin au processus legislatif et de render le texte executoire en tant que loi. Elle est suivie par la publication du texte au journal officiel"

D. – Georges Lavroff , Le droit constitutionnel de la 5eme Republique, 3eme edition, 1999, p. 806.

وبالتالي ، وتأسيسا على ذلك ، وطالما ان "القانون" المطعون فيه لم يصدر عن رئيس الجمهورية وفقا للاصول المار ذكرها ، فإن نشره على النحو المشار اليه يشكل اغتصابا للسلطة لكونه صادراً عن جهة مجردة من اي سلطة بالموضوع .

"L'usurpation de pouvoir… correspond … a un acte fait par une personne s'immiscant dans l'Administration sans titre ni qualite .

G. Vedel, P. Delvolve, dt. adm. , 2 , 1958, p. 296.

والاجتهاد في هذه الحال واضح جدا. فهو يعتبر العمل المشوب بمثل هذا العيب منعدم الوجود ولا مفعول له بالمطلق .

"… cette decision qui emane d'une autorite manifestement incompetente est nulle et de nul effet."

C.E. 8 dec. 1982 , Commune Dompierre – sur – Besbre .

J.-M. Auby et R. Drago , Traite de contentieux adm., tome 2, 1984, No. 1325, p. 442.

فالعمل التشريعي (كما العمل الاداري) الصادر عن جهة مغتصبة للسلطة ، ليس مخالفا للدستور او القانون فحسب ، بل هو منعدم الوجود كليا.

" …L'acte fait par l'"usurpateur" n'est pas illegal ; il est inexistent."

G. – Vedel , P. Delvolve, op. cit. , p. 296

وعليه ، وفي النتيجة يكون القانون المطعون فيه اذا، وللاسباب المار ذكرها، خارقا لاحكام الدستور بشكل خطير الامر الذي يستوجب اعلان انعدام وجوده بالمطلق.

2 – واستطرادا، ان القانون المطعون فيه باطل بطلانا مطلقا، وذلك:

أولاً: لأنه مخالف لمبدأ استمرارية وسير المرافق العامة بانتظام.

أ – فهو ينطوي، أولاً، على أحكام تشكِّل "شيوعاً في السلطة".

أ -1: فبالفعل، جاء في المادة الثامنة منه المتضمنة صلاحيات المجلس المذهبي، أنَّ من صلاحيات هذا المجلس "الإشراف على الأوقاف الدرزية... واتخاذ القرارات اللازمة التي تكفل حسن إدارتها وطريقة استغلالها ووجهة صرف ريعها وكل ما من شأنه تحقيق غايتها" (الفقرة 4 منها).

أ -2: وفي المقابل، جاء في الفقرة "هـ" من المادة 40 من القانون ذاته أن "لجنـة الأوقاف" تعنى بدورها "برسم السياسة العامة للأوقاف وإعداد مشاريع التنمية والاستثمار العائدة لها وإدارة ومراقبة الأوقاف بجميع مرافقها ووضع الأنظمة المناسبة لذلك والعمل على حسن استثمارها وتنمية مواردها".

ويبدو بوضوح أن لجنة الأوقاف هذه تمارس في هذا المجال وفي الموضوع ذاته، الصلاحيات ذاتها الممنوحة للمجلس المذهبي في المادة 8 أعلاه، الأمر الذي يشكّل بالتأكيد "شيوعاً في السلطة".

أ – 3: ثم جاء في المادة 4 من الفصل الثاني من القانون المطعون فيه أن شيخ العقل "يمثّل طائفة الموحّدين الدروز في الأمور الدينية... ويتولى رعاية شؤونها الروحية ومصالحها الدينية والإجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانية..".

بينما جاء في المقابل في المادة 7 من الباب الثاني – الفصل الأول (إنشاء المجلس المذهبي... وصلاحياته)، "أن هذا المجلس يتولى إدارة شؤون الطائفة الزمنية والمالية ومصالحها الدينية وتمثيلها في الشؤون العائدة لمهامه.".

أي أنه، بصرف النظر عن ظاهر التعابير، تكون الصلاحيات الممنوحة لشيخ العقل، ممنوحة هي ذاتها أيضاً للمجلس المذهبي!!!، الأمر الذي يشكل بالتأكيد، هنا أيضاً، "شيوعاً في السلطة".

أ – 4: والشيوع في السلطة على النحو المذكور، مُـدانٌ فقهاً واجتهاداً لأنه يؤدي حتماً إلى شلّ المرفق العام أو، على الأقل، الى عرقلة سيره بانتظام، باعتبار أنّ المرجعين المختصّين في الموضوع الواحد يمكن أن يتخذا قرارين متناقضين في المسألة الواحدة، فيشلُّ واحدهما الآخر.

            "L'intérêt général est à la fois protégé et réalisé par les services publics. Ceux-ci doivent donc fonctionner de façon régulière et continue; toute interruption, tout incident dans le fonctionnement d'un service public est nuisible à l'intérêt général".

R.Odent, Contentieux administratif, 1975 – 1981, p. 1710.

ب – وهو ينطوي، ثانياً، على ما هو كفيل بتعطيل حرية انتخاب شيخ العقل عبر فرضه اصولاً تعجيزية غير دستورية لقبول طلب الترشيح لهذا المنصب الديني الرفيع.

ب – 1: فلقد جاء في المادة 32 من هذا القانون على أن "يُـقدّم طلب الترشيح لمنصب شيخ العقل بموجب كتاب خطي إلى أمانة سر المجلس الذهبي للطائفة في مهلة لا تقلّ عن عشرين يوماً من الموعد المحدّد للإنتخاب، موقعاً عليه من عشرة أعضاء من المجلس المذهبي، على أن يكون ثلث هؤلاء من أعضاء الهيئة الدينية في المجلس المذهبي". 

وطبعاً، وبمنطق الحجة المعاكسة (a contrario)، هذا النص يعني أنه اذا خلا طلب الترشيح من توقيع الأعضاء العشرة على النحو المذكور، فإنه يُرفض. وليس بعيداً عن المنطق السليم احتمال وجود عدم رغبة عند هذا أو ذاك من هؤلاء الأعضاء (وثلثهم يجب أن يكون من اعضاء الهيئة الدينية في المجلس الذهبي) في تسهيل ترشيح هذا أو ذاك من أصحاب الحق المؤهّلين للترشُّح لمشيخة العقل، ومن شأن ذلك بالتأكيد أن يقيّد حرية الترشح وحرية الانتخاب.

ثم، ماذا إذا رُفض طلب الترشيح؟ بكل أسف، إن القانون المطعون فيه لم يتطرّق إلى هذا الإحتمال البديهي ولم يلحظ أية آلية تتعلق:

ـ بتحديد المرجع الصالح لقبول أو رفض طلب الترشيح.

ـ ولا بتحديد أصول للإعتراض على قرار رفض طلب الترشيح أو للطعن فيه.

وهذا يشكّل فراغاً يُعيب القانون بكامله لأنه يحرم صاحب العلاقة من حقه الدستوري الطبيعي في مراجعة القضاء عند الإقتضاء ويتركه فريسة للمزاجية المطلقة.

            "Or le Conseil (constitutionnel) a reconnu au contraire un droit, maintenant très général de réclamation à tous les candidats (ou personnes faisant acte de candidature pour seulement en ce qui concerne celle-ci)".

F.Luchaire, Le Conseil constitutionnel, 1980, p. 288.

والإجتهاد الدستوري واضح بهذا الشأن، إذ هو يعتبر أن حق الطعن في كلِّ ما يمسُّ حرية الأفراد أو وضعهم القانوني المشروع، مرادفٌ وموازٍ لحق الدفاع عن النفس.

            "En effet, ce droit (au recours) est consacré conjointement avec les droits de la défense…".

Les gdes décisions du Conseil constitutionnel, 12 éd. 2003, p. 741, no. 31.

ولنـا عودة إلى هذا المبدأ لاحقاً.

ب – 2: وفي أيّ حال، يعتبر الإجتهاد الدستوري في هذا المجال، أنّ النصوص التشريعية المتعلقة بعدم الأهلية للترشّح (inéligibilitiés) يجب أن تؤخذ أو تُفسَّر حصراً. وأكثر من ذلك، فإنه لا يجوز للمشترع أن يضع عقبات وشروطاً أمام حرية الترشّح إلا إذا كانت مبرَّرة حصراً بعامل السن أو بعدم الأهلية، أو بالجنسية (أو الإنتماء المذهبي هنا) أو بعامل الحفاظ على حرية الناخب أو على استقلالية المُنتَخَب.

            "Ainsi, non seulement les textes législatifs, relatifs aux inéligibililtés doivent faire l'objet d'une interprétation stricte, mais encore le législateur ne peut édicter des inéligibilités qui ne seraient pas justifiées par l'âge, l'incapacité la nationalité ou la volonté de préserver la liberté de l'électeur ou l'indépendance de l'élu".

Les grandes décisions du Conseil constitutionnel, 12ème éd; 2003, p. 265, no. 5.

فهـذا ما كرَّسه المجلس الدستوري صراحة.

            "Considérant que, en l'état, la qualité de citoyen ouvre le droit de vote et d'éligibilité dans des conditions identiques à tous ceux qui n'en sont exclus ni pour une raison d'âge, d'incapacité ou de nationalité ni pour une raison tendant à préserver la liberté de l'électeur ou l'indépendance de l'élu….".

C.C. 14/1/1999, AJDA 1999, p. 154.

 

ب – 3: والقانون المطعون فيه لم يأخذ، بكل أسف، بهذه الضوابط، بل هو تجاهلها، لا بل ذهب إلى عكسها تماماً، فوضع شروطاً تعجيزية ذات طابع كيدي شخصي، بعيدة كل البعد عن الموضوعية التي يجب أن يتميّز بها كلّ تشريع، مع الاشارة هنا، وبالمقارنة إلى أنَّ، قوانين 1962 والـ 2000 لم تكن تتضمّن مثل هذا الشرط غير الدستوري. 

ففي كل هذا تعطيلٌ وانتهاكٌ لمبدأ استمرارية وحسن سير المرافق العامة الذي أنزله الإجتهاد الإداري منزلة القانون، وأنزله الإجتهاد الدستوري منزلة الدستور.

            "III – La continuité du service public norme de valeur constitutionnelle.

            "22 – Dans sa décision du 25 Juillet 1979, le Conseil constitutionnel est conduit à affirmer, comme l'avait fait le Conseil d'Etat avant lui, que droit de grève et continuité du service public sont deux principes d'égales valeur qui doivent s'accomoder l'un de l'autre".

Les gdes décisions, op.cit., p. 379, no. 222.

وأيضاً بذات المعنى:

            "Le conseil constitutionnel a parfois fait figurer certains principes généraux du droit au nombre des normes qu'il oppose au législateur dans le cadre du contrôle de constitutionnalité des lois… De façon plus significative, la décision no. 79-105DC du 25 Juillet 1979 relative à l'exercice du droit de grève à la radiodiffusion – télévision française (Rec; 33; RDP 1979, 1705, note Favoreu…) a énoncé sans rattachement à un texte, que le principe de la continuité du service public est un principe de valeur constitutionnelle".

M.Long/P.weil…, Les grands arrêts de la jurisprudence administrative, 14ème éd; 2003, p. 525.

وأيضــاً:

F.Luchaire, op.cit., p. 220.

وعلى هذا، ولأن القانون المطعون فيه يعطّل كلياً مرفقاً دينياً أساسياً وهاماً، فإنه يكون إذاً غير دستوري ومستوجباً الإبطال لهذه الجهة.

ثانياً: لأنه مخالف لمبدأ المساواة ولمبدأ استقلالية الطائفة الدرزية، ولحرمتها وكرامتها.

أ – فلقد جاء في المادة الأولى منه أن "طائفة الموحّدين الدروز طائفة مستقلة إستقلالاً تاماً بشؤونها الدينية وأوقافها الخيرية وتتولى تشريع أنظمتها وإدارة مؤسساتها بنفسها طبقاً للأحكام الروحية للطائفة وامتيازاتها المذهبية والقوانين والأنظمة المستمدّة منها، بواسطة ممثلين من أبنائها من ذوي الكفاءة..". 

وجاء في المادة الثانية منه أنّ "لطائفة الموحّدين الدروز شيخ عقل واحد يتمتع بذات الحرمة والإمتيازات والحقوق التي يتمتع بها رؤساء الطوائف اللبنانية الأخرى بلا تخصيص ولا استثناء".

        وهذا يعني بوضوح أن القانون المطعون فيه فرض تأمين المساواة بين سماحة شيخ العقل وسائر رؤساء الطوائف اللبنانية الأخرى المعترف بها، على صعيد الإمتيازات والحقوق على كافة الأصعدة، ومنها دون شك، وبشكل خاص، مدة الولاية والصلاحيات.

ب - ولكن، وبكل أسف، عاد هذا القانون ليناقض نفسه بنفسه إذ تضمّن نصوصاً تتعارض كلياً مع النصين المار ذكرهما، سواء لجهة تحديد مدة ولاية شيخ العقل أم لجهة ضمان استقرار واستقلالية وحرمة الطائفة.

        فلقد جاء في المادة 30 منه ما حرفيته:

          "تكون مدة ولاية شيخ العقل خمس عشرة سنة تبدأ من تاريخ انتخابه، وهي قابلة للتجديد بقرار من المجلس المذهبي بالأكثرية المطلقة من أعضائه.

          "لا يُعفى شيخ العقل من منصبه إلا بناءً على طلبه أو لأسباب خطيرة تهدّد كرامة الطائفة ووحدتها وكيانها أو تمسُّ بسمعتها، أو لأسباب صحية تمنعه من القيام بمهامه تقرّرها اللجنة الطبية الدائمة في بيروت وذلك بناءً على طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي.