
ان ظاهرة الرسومات المسيئة للاسلام هي من ثمار شجرة العولمة والحضارة التي بلغت ذروة الرقي المادي والتخلف الروحي، حيث لم يعد للاديان وللرسل ورسالاتهم قيمة ولا حرمة الا في بعض الطقوس والتعبدات والتقاليد الموروثة التي تتعرض ايضا الى النسيان والاهمال من قِبَل الاجيال الجديدة ومغريات هذه الحضارة وشعاراتها البراقة كلوامع السراب في الصحراء تحسبه ماءً وهو بالحقيقة ليس سوى وهما، وهكذا وصل انسان هذا العصر الى نقطة الصفر في معيار القِيَم والاخلاق والمبادىء والى نتيجة الخسر كما تقول الآية النورانية "الا الذين عملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
وهكذا تقدم الغرب كثيرا في مجالات العلم والتطور المادي ووصل الى اعلى درجات السلم فترنح وهوى من جنون عظمة ما توصل اليه من تطور تكنولوجي، وفي غمرة حياته الروتينية التي تحكمها التعقيدات والتركيبات وحضارة المزج والخلط والتكاثر، غابت عنه بساطة قيم واخلاق الشرق مهد الاديان والرسالات السماوية فغرب به الزمن الى ارذل العمر وضاع في مجاهل ومتاهات "الأنا" ورحلة اثبات الذات النرجسية وفقد براءة الطفولة من عمر الزمن، فأضاع نقطة الترقيم التي انطلقت منها الحضارة الانسانية، والتي بها يقاس التقدم والتأخر الانساني عبر الزمن الا وهي الضمير والاخلاق والوجدان، فسلبته النظرة النسبية للامور وسحره ما نتج عنها من نظريات علمية واختراعات مادية وتلهى بقراءة التاريخ واهمل الكتب السماوية التي رسمت له خريطة قدره ورحلة عودته وتنبأت بكل ما حدث وسيحدث في عالمه، فظن الغرب انه يتقدم ولم يدرِ انه يدور في فلك النفس القديم مسرح الصراع الاقدم بين الظلمة والنور، الخير والشر، المادة والروح، وانه ما زال اسير تركيبة النفس الانسانية وتجاذبات المتناقضات التي تحكم عالمها والحدود التي وضعها الله للانسان والتي تصفع واقعه من حين لآخر وتذكره بضعفه وعجزه وتلون حضارته بالوان الكيد والانتقام من اصالة الشرق الالهية.
وها هو كيد حضارة الغرب قد بلغ، وقد امتلأت النفوس بنوازع القوى الغريزية المنفلتة من رقابة العقل، والمتمردة على وصايا الانبياء والرسل وفاضت مكامنها بكافة انواع واشكال المساوىء والأذى والتعدي والتحدي والانتهاك للحرمات والمحرمات، فتغيرت المقاييس وتشوهت المفاهيم وانعكست الصور البشعة على الصفحات والشاشات.
هذه هي النظرة الشمولية للامور. اما اذا اردنا تفسير ما يجري بلغة مألوفة اكثر، نقول ان الصهيونية العالمية صاحبة الجرح القديم الملتهب والعذرية المفقودة ، والبراءة المبتورة قسرا منذ الطفولة من عمر الانسانية هي التي تمسك بمقاليد الحكم في اوروبا واميركا اليوم، وتسيطر على الاعلام الغربي وعلى المحافل الدولية والجامعات والمنتديات ومراكز التأثير في كافة القطاعات. وقد نجحت الى حد كبير في دمغ عقول الشباب المسيحي الغربي واقناعه بأن طريق الوصول لله يكون عبر خدمة شعبه "شعب الله المختار"، و أن العرب والاسلام هم اعداء الحضارة والتطور وهم لا يعرفون الا لغة الارهاب والعنف. وان اغرب ما في تبني الغرب لهذه العقيدة هو انه يتناقض مع عقلية الغرب المنفتح وهو اشبه بانتحار بطيء لهوية الغرب الذي تميز بها، اذ ان الغرب على مر التاريخ لطالما رسم صورته وبنى مصداقيته لدى الشعوب والامم بالمراهنة على النظرة البراغماتيكية المحايدة التي تختبر وتتحقق من الامور قبل الحكم عليها او تكوين اي نظرة او عقيدة بشأنها. وها هو الغرب اليوم يجد نفسه اسير صراع الاديان القديم وما يرافقه من تطرف وتقوقع وتحيز وانغلاق الامر الذي يتناقض تماما مع روحية ما يدعيه من تحضر وتطور وانفتاح، وهذا التناقض يربك الغربيين اليوم ويحرجهم فتراهم في مواقفهم مذبذبين حيارى ، يعرفون الصح، ويتبعون الغلط عن غير قناعة، يروا الظلم الذي يتعرض له العالم العربي والاسلامي، لكنهم يديرون وجههم وكأنهم لا يعيشون على هذه الكرة الارضية.
فقد نجحت الصهيونية العالمية في تعبئة الغرب المسيحي وتجييشه وزجه في حروب معاكسة لقيمه ولطبيعته ضد العرب والمسلمين، وسلبته بصيرته فاصبحت عدسة كاميراتها هي العين العوراء التي بها ينظر الغرب الى العالم من حوله. وقد تناهت الصهيونية العالمية في تكريس الافكار السطحية والنظريات الخاطئة عن حضارة الشرق والعرب والاسلام في اذهان الغرب عبر الصحافة والتلفزيون والسينما والاعلام الموجه، وعبر اسلوب التصفيق والتشجيع والمكافأة والترقية، لِمَن يتبنى افكارها المتطرفة ونظرياتها الاحادية الجانب ويجاهر في التعبير عنها وينجح من خلال دائرة اختصاصه او عمله او حتى هواياته ونشاطاته الاجتماعية في تسويقها وايصالها بصورة افضل ولأكبر عدد ممكن من الناس تحت شعارات براقة كالديموقراطية وحرية التعبير وحقوق الانسان الخ، ولهذا ليس بمستغرب ان يتنافس بعض المهووسين من اهل الصحافة الغربية على نيل رضى الجهات الداعمة لهم عبر نشر رسومات مسيئة للاسلام تحت شعار حرية الصحافة فاتحين الباب امام ظاهرة خطيرة في التعاطي مع المقدسات قد تمتد لتطال اديان اخرى غير الاسلام.
اما من جهة اخرى فمَن يبدي رفضه لنظريات الصهيونية حول العرب والمسلمين علنا ولو حتى برفض التعليق عليها يجد نفسه موضع شك وريبة في محيطه، او حتى موضع اتهام علني بـ"معاداة السامية" وعرضة لمواجهات اخرى قد تمتد لتنال من حياته العملية وحتى الاجتماعية. وبالتالي فإن الجو العام في العالم الغربي يفرض حتى على بعض المسلمين او العرب المقيمين في الدول الغربية التنكر لمظاهر انتماءاتهم العربية او الاسلامية من باب الاستتار للانصهار، والذي يصبح بعد فترة من الزمن عادة يقبلها الفكر ويرفضها الوجدان، مما يعمق اكثر فاكثر الشعور بالغربة والمهانة وعدم الانتماء ويولد على مستوى النفس اضطرابات قد تتطور لتنفجر بتصرفات عنيفة. والضمير الغربي بما علق فيه من مبادىء وتعاليم السيد المسيح الحقيقية يعي في اعماقه بأن العنف ظاهرة نفسية وليس ظاهرة دينية وبأن معالجتها تكون بفهم الاسباب العميقة في النفس وليس بفرض المزيد من القيود والعقوبات ونشر الرسومات المهينة وانتهاك الحرمات والمقدسات، لكن الجسد الغربي قد تعود التحرك تلقائيا وفقا لغريزة الكره والانتقام التي نمتها فيه الصهيونية العالمية، وتنكر لبراءة الطفولة من عمره ولتعاليم العقل الكوني "السيد المسيح". ولا بد من صحوة ضمير لدى الغرب اذا ما رجعوا الى مبادىء وتعاليم السيد المسيح ونظروا بعينه للامور، اما العالم العربي فهو امام تحدٍّ كبير لأنه صدق الصورة التي رسمها له الاعلام، ولبس الدور، فوجد نفسه يوما بعد يوم في موقع الدفاع عن النفس امام هذه الهجمة المنظمة ، كما وجد نفسه مجبرا ايضاً لخوض معركة اعلامية غير متكافئة لتحسين صورته امام الرأي العام الدولي والغربي، وهذا غريب عن الطبيعة الشرقية التي اعتادت على اهمال المظهر والتركيز على الجوهر والشموخ وعدم الاهتمام بنظرة الآخرين.
هذه هي تحديات العولمة وهذا ما يسمى بحوار الحضارات والحوار الاسلامي المسيحي وهنا يكمن السؤال: ما هي اسس الحوار البناء؟ للاجابة على هذا السؤال لا بد للعودة الى نقطة محايدة في عمر الانسانية قبل ظهور العصبيات الدينية – لا بد للعودة الى الحضارة اليونانية مهد الحضارات الانسانية وام الحضارة الغربية وحكمة اليونان الازلية ملهمة الديانات السماوية لتعلم اسس الحوار البناء من الحكيم سقراط الذي دعا الانسان ليعرف نفسه ويحترم ذاته وصورته امام مرآته لكي يعرف كيفية التعامل مع الآخر مهما كان مختلفا عنه ويحظى بالمقابل باحترام هذا الآخر.